عليه السلام: {إِنَّا لَمُدْرَكُونَ} ، وبلغ الكرب مداه .. العيون زائغة، والقلوب فزعة، وما هي إلا دقائق ثم يهجم الموت ولا مناص، ولكن موسى عليه السلام الذي تلقى الوحي من ربِه لا يشك لحظة وملء قلبه الثقة بالله واليقين بعونه، فقال بلغة الواثق الساكن قلبًا ومعنى: {كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبي سَيَهْدِينِ} ، لقد قالها: {كَلَّا} في شدة وتوكيد، كلا لن نكون مدركين .. لن نكون هالكين .. لن نكون مفتونين ومعنا الله. إنه الأنس والثقة .. وفي اللحظة الأخيرة ينبثق الشعاع في ليل الكرب وينفتح طريق النجاة من حيث لم يحتسب المحتسبون: {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ} ، بذلًا للسبب وإن كان الله قادرًا على فعل النتيجة دون بذل سبب من البشر، ولكن لابد للبشر من جهد يبذلونه حتى لا يكون النصر رخيصًا. ثم تأتى النتيجة: {فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} ، ووقعت المعجزة وتحقق ما قال عنه الناس: مستحيل، ووقف الماء على جانبي الطريق ووقف فرعون مدهوشًا مما يرى. وتم تدبير الله، فخرج بنو إسرائيل من الشاطئ الآخر بينما كان فرعون وجنوده بين فرقي الماء أجمعين، فأمر الله جنده من الماء أن ترجع {وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآَخَرِينَ * وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآَخَرِينَ} .
يقول الغزالي رحمه الله: «الجنود التي يخذل الله بها الباطل وينصر بها الحق ليست مقصورة على نوع معين من السلاح ولا صورة خاصة من الخوارق، إنها أعم من أن تكون مادية أو معنوية، وإذا كانت مادية فإن خطرها لا يتمثل في ضخامتها، فقد تفتك جرثومة لا تراها العين بجيش ذي لجب: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} ، ومن صنع الله لنبيه