يوم الهجرة أن عمى عنه عيون عداته على حد قول أبي بكر رضي الله عنه: «لو نظر أحدهم إلى مواقع قدميه لرآنا» ولكن الواثق بربه العارف به قال بيقين: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما» ، ويقول له: «أن الله معنا» ، ومن معه الله فهل يغلب؟ إن ذلك لم يكن محاباة، بل هو مكافأة؛ لأنهم لم يدعوا وسيلة من وسائل الحذر إلا اتخذوها، وكم خطة يضعها أصحابها يبلغون بها نهاية الإتقان تمر بها فترات عصيبة لأمور فوق الإرادة أو وراء الحسبان، ثم تستقر أخيرًا وفق مقتضيات الحكمة العليا وفي حدود قول الله تعالى: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .
إن سنة الله تجري بترتيب النتائج على الأسباب، ولكن الأسباب ليست هي التي تنشئ النتائج، فالفاعل المؤثر هو الله، والله يرتب النتائج على الأسباب بقدره ومشيئته، ومن ثم يطلب إلى الإنسان أن يؤدي واجبه وأن يبذل جهده وأن يفي بالتزاماته، وبقدر ما يوفي بذلك كله يرتب الله النتائج ويحققها.
إن الأخذ بالأسباب مع تفويض الأمور إلى الله تعالى والثقة به هو من التوكل المأمور به، أما القعود عن الأسباب فليس من التوكل في شيء، وإنما هو اتكال أو تواكل، قال ابن القيم رحمه الله: «التوكل من أعظم الأسباب التي يحصل بها المطلوب، ويندفع بها المكروه، فمن أنكر الأسباب لم يستقم معه التوكل، ومن ثمار التوكل عدم الركون إلى الأسباب، بل الاعتماد بعد بذل السبب على الله تعالى» في ميزان: «اعقلها وتوكَّل» .