إن معرفة السنن لا تفهم حق الفهم إلا بمعرفة الله وتوحيده، فإنه سبحانه لا يريد بعباده إلا الخير والرحمة، ولو تسلط الأعداء في وقت ما فإن عاقبة هذا التسلط هي الخير والتمكين؛ وذلك أن المؤمنين عندما يتسلط عليهم أعداؤهم وينالونهم بالأذى يدركون من واقع قوله تعالي: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} أن ما أصابهم إنما هو بذنوبهم فيكون الخير في تسلط الأعداء هو تغيير ما بالنفوس من خلل وإحداث التوبة والاستغفار، وترك ما أوجب حلول المصيبة وهذا خير في حد ذاته، لم يكن ليظهر لو استمر النصر والتمكين مع وجود المعاصي وضعف الإيمان، وهذا هو معنى السنة الثابتة التي لا تتغير: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} .
إن من أكبر أسباب النصر: إحسان الظن بالله عز وجل، والثقة في حكمته ورحمته، وأنه ناصرهم لا محالة، وهذا بدوره يبث الأمل في النفوس ويبث الأمل في الأمة بأن المستقبل لهذا الدين مهما تسلط أعداؤه عليه وكادوا له: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا * فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا} .
ألا وإن من أسباب النصر: إدراك أن العاقبة للمتقين بكل ما تعنيه من معنى وشعور، فإن وعد الله لا يتخلف، وكلمته لا تتبدل، وإن تأخر وأبطأ فلحكمة يعلمها الله، فقد يتأخر النصر «لأن بنية الأمة المؤمنة لم تنضج بعد ولم يتم تمامها، فلو نالت النصر حينئذ لفقدته وشيكًا.
وقد يتأخر النصر حتى تبذل الأمة المؤمنة آخر ما في طوقها من قوة وآخر ما تملكه من رصيد.
وقد يتأخر النصر حتى تجرب الأمة المؤمنة آخر قواها.