إن المعالي لا تُنال بالأماني، ولا يتأتى النصر إلا على ألوان البذل والتضحية بشتى صنوفها، وإذا عرف أن الابتلاء سنة ماضية تبين أن النصر لا يقوم إلا على البذل في سبيل الحق.
فهل نحن أعز على الله تعالى من رسوله الكريم - صلى الله عليه وسلم - إذ أخذ بكافة الأسباب حين أراد الهجرة من مكة، من رفيق الطريق والزاد والدابة واستئجار الدليل، وإخفاء الليالي،؟ كل ذلك والله قادر على إيصاله إلى المدينة بأقل من طرفة عين، لكنها السُنَنُ والمدرسة التي يجب أن نتعلم منها ونتلمس خطاها.
وهل نحن أعز على الله من مريم البتول صاحبة المعجزة العظيمة التي جاءها المخاض فآوت إلى نخلة باسقة عظيمة؟ آوت وهي في ضعف وألم، ومع هذا أمَرَها الله وقال لها: {وَهُزي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبي وَقَري عَيْنًا ... } ، فكيف تهز الضعيفة في وقت نفاسها نخلة؟ وماذا ستؤثر فيها ... ؟ ولكنه السبب الذي تعبدنا الله ببذله توكلًا لا تواكلًا .. كل ذلك والله قادر على الإعطاء من غير سبب.
فماذا عسى كثير من المتواكلين يقولون؟
أم نحن أعز على الله من نبيه موسى عليه السلام حيث خرج بقومه يريد الهرب من فرعون وملئه؟ فعلم بهم فرعون فأتبعهم والقوم يهربون منه، ولكن وقع ما لم يكن في حسبانهم .. لقد بذلوا مع نبيهم موسى عليه السلام الأسباب آخرها الهرب بدينهم، ولكن هاهو فرعون من خلفهم والبحر من أمامهم، فرفعوا أصواتهم بعد أن زاغت أبصارهم يمنة ويسرة، كلٌّ يتساءل: ما نفعل؟ هاهو المشهد يقترب من نهايته والمعركة تصل ذروتها .. إنهم أمام البحر ليس معهم سَفينة، ولا يملكون خوضه، وقد قاربهم فرعون بجنوده يطلبونهم، وقالت دلائل الحال كلها: ألا مفر، والبحر والعدو يحيطون، فقال أصحاب موسى