قال ابن القيم موضحًا هلاك من عبد الله تعالى بالحب المجرد، وبواره، فقال: «وربما آل الأمر بمن عبده بالحب المجرد إلى استحلال المحرمات، ويقول: المحب لا يضره ذنب، وصنف بعضهم في ذلك مصنفًا، وذكر فيه أثرًا مكذوبًا: (إذا أحب الله العبد لم تضره الذنوب) ، وهذا كذب قطعًا، منافً للإسلام، فالذنوب تضر الذات لكل أحد كضرر السم للبدن، ولو قُدر أن هذا الكلام صح عن بعض الشيوخ، وأما عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فمعاذ الله من ذلك- فله محمل وهو أنه إذا أحبه لم يدعه حبه إياه إلى أن يصر على ذنب؛ لأن الإصرار على الذنب منافٍ لكونه محبًا لله، وإذا لم يصر على الذنب بل بادر إلى التوبة النصوح منه، فإنه يمحو أثره، ولا يضره الذنب، وكلما أذنب وتاب إلى الله تعالى زال عنه أثر الذنب وضرره، فهذا المعنى صحيح، والمقصود أن تجريد الحب عن الخوف يوقع في هذه المعاطب، فإذا اقترن بالخوف جمعه على الطريق، ورده إليه كلما شرد، فكأن الخوف سوط يضرب به مطيته لئلا تخرج عن الدين والرجاء حادٍ يحدوها، يطيب لها السير، والحب قائدها وزمامها الذي يسوقها فإذا لم يكن للمطية سوط ولا عصا يردها إذا حادت عن الطريق، وتركتْ تركبُ التعاسيف خرجت عن الطريق وضلت عنها، فما حفظت حدود الله ومحارمه، ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبته، فمتى خلا القلب عن هذه الثلاثة فسد فسادًا لا يرجى صلاحه أبدًا، ومتى ضعُف فيه شيء من هذا ضعُف إيمانه» [1] .
وها هنا سؤال يدور في أذهان كثير من الناس، وهو: أيهما يغلب المؤمن في حياته الخوف أم الرجاء؟
(1) بدائع الفوائد (3/ 11 - 12) .