الصفحة 15 من 24

هداية يجعلها الله تعالى في قلبه، وحركات يحركه بها في طاعته. وهذا إلى الله تعالى - فهو خلقه وقدره، وكان من دعائه - صلى الله عليه وسلم: «اللهم آت نفسي تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها» [1] وعلم حصين بن المنذر - رضي الله عنه - أن يقول: «اللهم ألهمني رشدي، وقني شر نفسي» [2] ، وعامة أدعيته - صلى الله عليه وسلم - متضمنة لطلب توفيق ربه وتزكيته له، واستعماله في محابه، فمن هداه وصلاحه وأسباب نجاته بيد غيره، وهو المالك له ولها، المتصرف فيه بما يشاء ليس من أمره شيء، من أحق بالخوف منه؟ وهب أنه خلق له في الحال الهداية، فهل هو على يقين، وعلم أن الله سبحانه وتعالى يخلقها له في المستقبل ويلهمه رشده أبدًا؟ فعلم أن خوف المقربين عند ربهم أعظم من خوف غيرهم، والله المستعان.

ومن ها هنا كان خوف السابقين من فوات الإيمان كما قال بعض السلف أنتم تخافون الذنب، وأنا أخاف الكفر. وكان عمر - رضي الله عنه - يقول لحذيفة: «نشدتك الله، هل سماني لك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ يعني في المنافقين، فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدًا» [3] يعني لا أفتح عليَّ هذا الباب في سؤال الناس لي، وليس مراده أنه لم يخلص من النفاق غيرك.

لابد أن يكون راسخًا في أذهان المؤمنين أنه لابد في حياتهم الدنيا أن يجمعوا بين أمور ثلاثة: المحبة والخوف والرجاء، وأنه من عبد الله تعالى بواحد من هذه الأمور فقط فقد أخل بمذهب أهل السنة والجماعة، وابتعد عنه كل البعد، ولهذا قال بعض السلف: «من عبد الله تعالى بالخوف وحده فهو حروري [4] ، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجيء [5] ، ومن عبده بالخوف والرجاء والحب فهو مؤمن» [6] .

وقد جمع الله تعالى هذه المقامات الثلاث في قوله سبحانه: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ... } [7] . قال ابن القيم: «فابتغاء الوسيلة هي محبته الداعية إلى التقرب إليه، ثم ذكر بعدها الرجاء والخوف فهذه طريقة عباده وأوليائه» [8] .

بالحب المجرد هلاك وبوار

(1) أخرجه مسلم والنسائي وأحمد.

(2) أخرجه الترمذي، وقال: هذا حديث غريب.

(3) رواه البخاري.

(4) الحرورية: اسم يطلق على الخوارج في عهد علي - رضي الله عنه - نسبة إلى حروراء: موضع قرب الكوفة، نزل به الخوارج حين اعتزلوا جيش علي - رضي الله عنه -.

(5) المرجئة: من الإرجاء وهو لغة التأخير، ومنه سميت المرجئة لأنهم يؤخرون العمل عن الإيمان، وقد قسمهم شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (7/ 195، 543) إلى ثلاثة أقسام:

1 -الذين يقولون: الإيمان مجرد ما في القلب، وهؤلاء منهم من يقول: هو المعرفة فقط كجهم بن صفوان، ومنهم من يدخل فيه أعمال القلوب، أو بعضها كالمحبة والخضوع، وهم أكثر فرق المرجئة.

2 -من يقول: هو مجرد قول اللسان، وهذا قول الكرامية.

3 -من يقول: هو تصديق القلب، وقول اللسان. وهو قول بعض أهل الفقه مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما.

(6) بدائع الفوائد (3/ 11) .

(7) الإسراء (57) .

(8) بدائع الفوائد (3/ 11) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت