لا يدرك المسلم هذا التحذير جيدًا إلا إذا كان عنده علم، فإن الإنسان إذا تم له علم لم ير لنفسه عملًا، وإنما يرى إنعام الموفق لذلك العمل، الذي يمنع العاقل أن يرى لنفسه عملًا، أو يعجب به، وذلك بأشياء:
1 -أنه وُفق لذلك العمل {حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ} [1] .
2 -أنه إذا قيس بالنعم لم يفِ بمعشار عشرها.
3 -أنه لو لوحظت عظمة المخدوم احتقر كل عمل وتعبُد.
هذا إذا سلم من شائبة، وخلص من غفلة، فأما والغفلات تحيط به، فينبغي أن يغلب الحذر من رده، ويخاف العتاب على التقصير فيه، فيشتغل عن النظر إليه.
وتأمل على الفطناء أحوالهم في ذلك، فالملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون قالوا: ما عبدناك حق عبادتك.
والخليل عليه الصلاة والسلام يقول: {وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ} [2] وما منَّ وافتخر بتصبره على النار، وتسليم الولد إلى الذبح.
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «ما منكم من ينجيه عمله» قالوا: ولا أنت؟ قال: «ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته» [3] [4] .
(1) الحجرات (37) .
(2) الشعراء (82) .
(3) أخرجه أحمد في المسند، والبخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(4) «صيد الخاطر» لابن الجوزي ص 487.