الصفحة 5 من 24

ومناسبة مجيء هذا التحذير الشديد أن الله تعالى لما نهى عبادة عن موالاة الكافرين واتخاذهم أولياء يسرون إليهم بالمودة دون المؤمنين قال: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} يعني يحذركم نقمته في مخالفته، وسطوته وعذابه لمن والى أعداءه، وعادى أولياءه [1] .

الثاني: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ} [2] .

فإن الله تعالى هاهنا يذكر العبد بما يحصل له يوم القيامة حين يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر، فما رأى من أعماله حسنًا سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه، وغصه، وود لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد، ومن هنا قال سبحانه مهددًا متوعدًا: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} يعني يحذركم عقابه، فاستعدوا لما أمامكم من الأهوال العظام بالأعمال الصالحات، وترك المحرمات والمنكرات.

وهكذا «لما سمع المتعظون هذا التحذير فتحوا أبواب القلوب لنزول الخوف فأحزن الأبدان، وقلقل الأرواح، فعاشت اليقظة بموت الهوى، وارتفعت الغفلة بحلول الهيبة، وانهزم الكسل بجيش الحذر، فتهذبت الجوارح من الزلل، والعزائم من الخلل، فلا سكون للخائف، ولا قرار للعارف، كلما ذكر العارف تقصيره ندم على مصابه، وإذا تصور مصيره حذر مما في كتابه، وإذا خطر العتاب بفنائه فالموت من عتابه، فهو رهين القلق بمجموع أسبابه» [3] .

(1) تفسير ابن كثير (1/ 357) .

(2) آل عمران (30) .

(3) «التبصرة» لابن الجوزي (1/ 82) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت