الصفحة 111 من 152

-فهذا وما يأتي يدل دلالة ظاهرة أنه لم يكن مجاهرًا بالكفر والكذب من أول يوم، بل كان ظاهره في مبدأ أمره أنه رجل من التابعين، وصهر لعبد الله بن عمر، وبعلٌ لامرأتين من بنات الصحابة [1] وأبوه من أفاضل قادة المسلمين ورجالاتهم، وقد نشأ المختار في المدينة وكان متلونًا متقلب الأوضاع يتتبع الرياسة والإمارة فتارة كان ناصبيًا يبغض عليًا حتى إنه أشار على عمه بتسليم الحسن بن علي إلى معاوية لما خذله أهل العراق وفر إلى المدائن وكان عمه نائبًا عليها - طمعًا في القرب من معاوية - فلم يفعل عمه وأنكر عليه، وأبغضته الشيعة، ثم سار إلى البصرة يظهر فيها ذكر الحسين حتى كان من أمر مسلم بن عقيل بن أبي طالب وكان المختار قد صار من الأمراء في الكوفة فجعل يتكلم في نصرته حتى حبسه عبيد الله بن زياد [2] فشفع في إخراجه من السجن عبد الله بن عمر الصحابي لمكان اخته منه [3] ولما عاذ ابن الزبير بالبيت خرج المختار إليه وقاتل معه قتالًا شديدًا لما حاصره أهل الشام [4] ثم عرف بالميل إلى بني هاشم وجعل يتقرب من محمد بن الحنفية وأظهر التشيع فلما بلغه موت يزيد بن معاوية واضطراب أهل العراق خرج إلى الكوفة واستغوى الشيعة فيها ونادى بنصرة الحسين والأخذ بثاراته، وادعى مراسلة محمد بن الحنفية والدعوة إلى إمامته ولقبه بالمهدي وحشد الشيعة ووعدهم بالأخذ بثارات الحسين وأهل بيته فتغلب على الكوفة، وكانت وقتها تحت ولاية ابن الزبير فعزل عامله ابن مطيع وكتب إلى ابن الزبير يعتذر إليه ويسترضيه ويدعي أن ابن مطيع كان مداهنا لبني أمية وقد خرج من الكوفة وأنا ومن بها في طاعتك، فصدّقه ابن الزبير لأنه كان يدعو إليه على المنبر يوم الجمعة على رؤوس الناس ويظهر طاعته [5]

-فإن صلى خلفه من صلى من الصحابة أو التابعين في هذه الفترة فلا غرابة خصوصًا وهو أمير، وقد عرفت طريقة السلف مع الأمراء في هذا ولو كانوا فجارًا .. وخصوصا وهو يظهر ولايته لابن الزبير ويدعو له على منبره ..

ثم رأى كثرة الشيعة والأتباع من حوله فطمع وصعد المنبر وخطب الناس خطبة بليغة دعاهم فيها إلى بيعته وقال: فوالذي جعل السماء سقفًا مكفوفًا والأرض فجاجًا سبلا ما بايعتم بعد بيعة علي أهدى منها، ثم نزل فدخل الناس المسجد يبايعونه على كتاب الله وسنة رسوله والطلب بثأر أهل البيت [6] . وشرع يتحبب إلى الناس بحسن السيرة ووجد في بيت المال تسعة آلاف ألف

(1) وفي هذا عبرة لمن يغتر بمصاهرة بعض من لا خلاق لهم ولا أخلاق لبعض قادة المجاهدين ومشايخهم في زماننا، وأن هذا لا ينفعهم ولا يرفعهم إن لم يرفعهم الله بتوفيقهم لنصرة الدين والتوحيد، فمن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.

(2) انظر البداية والنهاية 8/ 290.

(3) المرجع نفسه.

(4) المرجع نفسه.

(5) المرجع نفسه (8/ 290) ، (8/ 276) .

(6) المرجع نفسه (8/ 268) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت