ولاة الأمور الشرعيين .. في الوقت الذي يصف فيه الموحدين بأنهم غلاة أو متطرفون أو خوارج .. أو إذا ما تأدّب وتعقّل قال: (بغاة) لأنهم خرجوا على إمامه الذي هو الطاغوت .. ؟؟
قال أبو محمد ابن حزم في المحلى (4/ 52) :
(411 - مسألة: والصلاة خلف من يدري المرء أنه كافر باطل وكذلك خلف من يدري أنه متعمد للصلاة بلا طهارة، .... وهذا لا خلاف فيه من أحد مع النص الثابت بأن يؤم القوم أقرؤهم {وليؤمكم أحدكم} في حديث أبي موسى، والكافر ليس أحدنا وليس الكافر من المصلين ولا مضافا إليهم .... ) انتهى مختصرا
* ومنهم من يزعم أنه يكره الطواغيت وأنه يبغضهم بل ربما يدّعي تكفيرهم، وإنما اتخذ تلك الولاية وذلك المنصب وظيفة وعملًا يتقوت به -لا بارك الله فيها من وظيفة في مثل هذا الزمان- ومثل هؤلاء إذا ما أنكر عليهم فغالبًا ما يتعذرون بالرزق ونحوه، وهذا في الحقيقة ضعف في اليقين والتوكل على الله وتوحيد الربوبية الذي كان كفار قريش يؤمنون به، قال تعالى عنهم (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) يونس31، فلو أنهم استقاموا على منهاج النبوة واجتنبوا سبيل الذين لا يعلمون وفقهوا التوحيد فتوكلوا على الله حق توكله لرزقوا كما ترزق الطير تغدوا خماصًا وتروح بطانًا ولكن أكثرهم لا يعقلون ..
ولذلك فإنك تجد أكثر أهل هذا الصنف يدعون للطاغوت على المنابر أيضا .. إذ هذا من تكاليف هذه الوظيفة المشؤومة .. وإذا ما روجعوا في ذلك احتج من لا يتبجّح ويتواقح منهم بالإكراه والاستضعاف والضرورات ونحوها مما يتلاعب به أهل الأهواء في هذا الزمان .. ومعلوم أن للإكراه حدودا وشروطا مبسوطة ومفصلة في كتب أهل العلم [1] خصوصًا في مثل هذه الأبواب التي فيها مشايعة للكفار وإظهار للدخول في ولايتهم وأمرهم [2] .. ثم إن استطاعوا أن يموّهوا في ادعاء
(1) انظر رسالتنا (ملة إبراهيم) ص50، ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (تأملت المذاهب فوجدت الإكراه يختلف باختلاف المكره - عليه- فليس المعتبر في كلمات الكفر كالإكراه المعتبر في الهبة ونحوها فإن أحمد قد نص في غير موضع على أن الإكراه على الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب أو قيد ولا يكون الكلام إكراها، وقد نص على أن المرأة لو وهبت زوجها صداقها بمسكنه فلها أن ترجع على أنها لا تهب له إلا إذا خافت أن يطلقها أو يسيء عشرتها فجعل خوف الطلاق أو سوء العشرة إكراها، ولفظه في موضع آخر(لأنه أكرهها) ومثل هذا لا يكون إكراهًا على الكفر فإن الأسير إن خشي الكفار لا يزوجوه وأن يحولوا بينه وبين امرأته لم يبح له التكلم بكلمة الكفر) انتهى، والمقصود منه أن الإكراه في أبواب الكفر لا يكون إلا بالتعذيب من ضرب أو قتل وأن الكلام لا يكون إكراها وكذلك الخوف من أن يحول الكفار بينه وبين دنياه أو زوجته أو عمله ووظيفته، فلا يحل إظهار تأييد الطاغوت وإعلان الدعاء له بالنصرة وطول العمر أو مدحه والثناء عليه أو الدخول في ولايته وعده ولي أمر المسلمين بحجة الخوف على الرزق أو الوظيفة أو الدنيا .. فتنبه لهذا لتعرف حقا غربة الإسلام وغربة أهله القائمين به في هذا الزمان ..
(2) ومن اللطيف هاهنا أن أدل الموحد على بعض فتاوى علماء نجد المتأخرين في تكفير من انحاز إلى المشركين ودخل تحت ولايتهم ودعا إلى الدخول فيها، في جزء الجهاد من الدرر السنية في الأجوبة النجدية، انظر ص335 في تكفير من دخل ودعا للدخول في ولاية ابن الشريف، وص330، وص334 في تكفير الدويش والعجمان ومن خرج معهم على عبد العزيز بن عبد الرحمن الفيصل لمجرد أنهم انحازوا إلى جهة الصبيحية على حدود الكويت أثناء قتال عبد العزيز لهم؛ فاتهمهم علماؤه آنذاك بالدخول تحت ولاية المشركين والخروج على إمام المسلمين!! فأفتى المشايخ بردتهم عن الإسلام لأجل ذلك .. فليت شعري من هو الداخل حقيقة في ولاية الكافر! من والى الأمريكان والإنجليز، أو من بايع عبيد المارينز والمعيز؟! أم من اضطر للانحياز إلى دار الكفر اضطرارا!؟ خصوصًا إذا ما عرفت أن الدخول في ولاية الكافر ليس هو عيش الموحد في دار الكفر أو عيشه تحت ظل الحكم الجبري الكفري في ظل عدم وجود دار إسلام؛ وإنما الدخول في ولاية الكفار الحقيقية اختيارًا ومظاهرتهم على الموحدين، ومن ذلك أيضا تسمية الحاكم الكافر إمام المسلمين وجعله ولي أمرهم الشرعي ومبايعته وإعطاؤه صفقة اليد وثمرة الفؤاد، والدعاء له بالنصر والجدال عنه والطعن على من كفّره أو خرج عليه، تأمل الواقع سابقا ولاحقا لتعرف ماهو الدخول في ولاية الكافر على الحقيقة! ولا تأخذ من كلامي تكفير المشايخ المذكورين في تلكم الفتاوى، فإنما أتكلم في تجريم الأفعال لا في تجريم الفاعلين في زمن التلبيس والتدليس.