الصفحة 82 من 152

الإكراه والاضطرار في دعائهم للطاغوت .. فمن ذا الذي يجرؤ منهم على ادعاء مثله في تولي تلك الولايات أصلًا، وهل يكره الطاغوت أحدًا على مثل تلكم الوظائف في زماننا هذا!؟ أم أن أولئك المفتونين هم الذين يتكالبون عليها ويسعون إليها زرافات ووحدانًا .. بل ربما استصحبوا معهم شفاعة ووساطة وتوصية من بعض المعروفين أو الرؤوس من الملأ، كل هذا حرصًا منهم على تحصيل مثل تلك الولايات الخبيثة .. ثم يدعون أنهم مكرهون ومضطرون ومستضعفون .. فبعدًا .. بعدًا ..

ونحن هنا لا نناقش مسألة هؤلاء كما يناقشها بعض الفقهاء بمعزل عن واقعنا على أنها قضية فقهية منحصرة في حكم أخذ الأجرة على الإمامة أو على القرآن والأذان ونحوها من الوظائف الدينية .. فذلك إنما يكون عندنا حين ترد هذه المسألة في ظل دولة الشريعة والإسلام .. أما والحال كما ترى في ظل دول الردة والشرك والطغيان، فما هكذا تورد الإبل .. وكم كان يحزننا أن نرى ونسمع من يناقش المسألة بهذه الصورة السطحية، فيستدل ببعض الأحاديث التي فيها ذم أخذ الأجرة على القرآن أو على الأذان أو ما يشير منها إلى أن من عمل من أعمال الآخرة للدنيا فليس له في الآخرة نصيب، ونحو ذلك .. ثم يوالي ويعادي في ذلك ويهجر الصلاة خلف بعض إخوانه لأجل توليه شيئًا من تلك الولايات حاصرًا القضية في هذه الزاوية في واقع كواقعنا هذا .. إذ أن من مقتضيات هذا الاستدلال ومن لوازم ذلك الإيراد أن لا غضاضة على من تولى في زماننا للطاغوت وناب عنه في ولاية دينية متطوعًا من غير أجر ..

أوردها سعد وسعد مشتمل *** ما هكذا يا سعد تورد الإبل

فالأمر عند من تدبر واقعنا وتدبر حقيقة مثل هذه الوظيفة، أعظم وأطم من هذا التناول الفقهي الفرعي المجرد المعزول عن الواقع .. فلكل شيء حقيقة .. والحكم على الشيء فرع من تصور حقيقته ..

وحقيقة هذا العمل في أصله وقبل أن يتهاون الناس في الصلاة والمسجد والجماعة؛ أنه ولاية أو نيابة دينية عن الحاكم أو الإمام أو ولي الأمر؛ ويتأكد هذا المعنى أكثر ما يتأكد في صلاة الجمعة وخطبتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت