إنّ ما حلّ في ساحة المُسلمين هذه الأيّام لهُو أمرٌّ خطيرٌ، ونكسةٌ عظيمةٌ، وفتنٌ هوجاءُ، ممّا أُصيب فيها كثيرٌ من عُقلاء المُسلمين بحيرةٍ ودهشةٍ؛ حتّى كاد الرّجُلُ إذا مرّ بالقبر يقُولُ: يا ليتني كُنتُ مكانه! إنّها فتنٌ يُرقّقُ بعضُها بعضًا.
ولعمرُ الله؛ لو أنّ هذه النّوازل عُرضت على عُمر بن الخطّاب - رضي اللهُ عنهُ - لجمع لها أهل بدرٍ قطُّ، فهُم في أمرٍ لا يُنادى وليدُه، وما ذاك إلاّ أنّها نوازلُ مصيريّةٌ مُهلكةٌ، ستجُرُّ الأمّة إلى أودية تيهٍ، ومسالك ضلالٍ، لا تُبقي ولا تذرُ!
وعند هذا؛ إذ بنا نجدُ أنصاف الدُّعاة، لا يستأخرُون ساعةً في الكلام عن هذه النّوازل الهالكة، دُون خوفٍ أو ورعٍ، أو حتّى تأصيلٍ علمي راسخٍ؛ بل نراهُم يتدافعُون على القنوات الإعلاميّة للظُّهُور والتّنظير، وهكذا لم تقف عجلةُ الظُّهُور تدفعُ كثيرًا منهُم إلى استصدار فتاوى ظالمةً، وأحكامًا قاصمةً، أوردت الأمّة موارد فتنةٍ؛ فياللإسلام والمُسلمين!
إنّ ظُهُور مثل هؤلاء الأصاغر ذي الوُجُوه (الشّاحبة!) الّتي لم تخش التّوقيع عن ربّ العالمين في مثل هذه المواقف المصيريّة العصيبة الّتي تمُرُّ بالأمّة الإسلاميّة؛ ممّا لا يُقرُّه نقلٌ صحيحٌ، ولا عقلٌ صريحٌ! إنّ ظُهُور مثل هذه الدّعوات الجريئة في هذا الوقت العصيب لهُو كارثةٌ عمياءُ، حيثُ تركت وراءها آثارًا سيّئةً، منها:
1)مُصادرةُ ومُصادمةُ فتاوى أهل العلم الرّبانيّين.
2)تضليلُ المُسلمين عن بيان الحقّ.
3)تشويهُ كثيرٍ من الحقائق الشّرعيّة المعلُومة من الدّين بالضّرُورة عند عامّة المُسلمين.
4)فتحُ بابٍ كبيرٍ للرّويبضات، وكذا الجُهّال من أنصاف المُثقّفين للحديث عن قضايا الأمّة الإسلاميّة.
5)فتحُ باب الاجتهاد والنّقاش حول مسائل وأحكامٍ شرعيّةٍ قد أجمع عليها أئمّةُ السّلف والخلف.
6)التّوسُّعُ والإغراقُ في الكلام عن التّنظير، والتّرشيد، والتّنظيم، والتّحليل ... كُلُّ ذلك على حساب الواجب الشّرعيّ تُجاه القضايا المصيريّة الحالكة الّتي ألمّت بالأمّة الإسلاميّة ... إلخ.
فإذا عُلم هذا؛ كان على أهل العلم النّاصحين أن يُوقفُوا هذا الزّحف السّائر، والسّيل الثّائر نحو حُصُون المُسلمين، الّتي لا تُبقي ولا تذرُ، مع هتك ما وراء هذه الدّعوات العريضة من القول بالباطل، أو التّرخُّص في الفتاوى مُسايرةً للضُّغُوط السّياسيّة، أو الانهزامات النّفسيّة الّتي تُمليها نفثاتُ المُرجفين المُخذّلين ممّن قتلتهُم الشُّهرةُ الخفيّةُ، أو أسرتهُم المدنيّةُ الغربيّةُ ... فعند ذلك طارت فتاواهُم تحرُثُ الأرض بلاقع، وتُحاربُ المُصلحين الذّادّين عن حياض الإسلام فراقع!