إنّنا لا نشُكُّ طرفة عينٍ في كثيرٍ من أهل العلم والدّعوة، ممّن استشرفتهُم واحتضنتهُم بعضُ القنوات الإعلاميّة، ليبُثُّوا على الملاء من المُسلمين فتاواهُم وأحكامهُم؛ إلاّ أنّ هذه الإطلالة البريئة منهُم لم تكُن بدافع الحُرّيّة والاختيار، بقدر ما كانت مُوظّفةً بحسب ما تُمليه عليهم المصالحُ السّياسيّةُ.
يُوضّحُه: قضيّةُ العراق مثلًا، فهل ينسى أحدٌ ما حصل في حرب العراق الأولى مع إيران، يوم فتح الإعلامُ قنواته لأهل العلم والدّعوة، كي يُبيّنُوا للنّاس حقيقة الخُميني الشّيعي الكافر، مع بيان واجبنا كمُسلمين نحو العراق؟ ثُمّ لم تمض هذه البياناتُ إلاّ وقامت حربُ العراق الثّانية ضدّ الكُويت، فعندها قام الإعلامُ يركُضُ حثيثًا في استقطاب أهل العلم والدُّعاة ليكشفُوا حقيقة صدّام البعثي الكافر، وواجبنا نحو إخواننا في الكُويت، وهكذا حتّى إذا جاءت إمريكا وحُلفاؤُها الصّليبيُّون لحرب العراق، قام الإعلامُ على قدميه يستضيفُ العُلماء والدُّعاة لبيان خطر الزّحف الصّليبيّ على المنطقة، وواجبنا تُجاه إخواننا في العراق، وهكذا لم تزل المسرحيّةُ في عرض أدوارها حتّى إذا ما سقطت بغدادُ في أيدي الصّليبيّين (الإمريكان وحلفائها) بعد مسرحيّةٍ محبُوكةٍ شأنُها شأن الجُولان، قام الإعلامُ يسدلُ السّتار على أهل العلم، ليُخرج لنا الأفاعي من جُحُورها: كالعلمانيّين، والحداثيّين، وأنصاف المُنافقين ليُكملُوا المسرحيّة السّياسيّة الّتي لم تكتمل فُصُولُها تحت عناوين ماكرةٍ: كـ (الخير وتحسين المعيشة) الّلذين جاءت بهما رائدةُ السّلام (إمريكا!) بعد إسقاطها للنّظام البعثي، و (مُستقبل العراق بعد الحرب) ، و (نزع السّلاح الشّامل من المنطقة) وغير ذلك من عناوين تحملُ بين سُطُورها الباطل والخيانة؟!
إنّ مثل هذه المهزلة التّاريخيّة؛ لهي صُورةٌ تقريبيّةٌ مُصغّرةٌ لتوظيف الفتاوى الشّرعيّة للمصالح السّياسيّة!
كما أنّنا لا نشُكُّ أنّ الّذين استشرفتهُم واحتضنتهُم بعضُ القنوات الإعلاميّة، هم أحدُ رجُلين لا ثالث لهُما:
الأوّلُ منهُم: من كان يعلمُ تلك الخُطُوط العريضة الّتي تُملى عليهم، والخانات الّتي تُعرضُ عليهم بطريقةٍ أو أخرى، إلاّ أنّهُم مع هذا لم يستنكفُوا الرّكض في هذه السّراديب المُحكمة، والأُطُر المُحدّدة، غير أنّهُم مع هذه الغفلة المُستنكرة يعتذرُون: بالحكمة، وكسب الآخرين.
والآخرُ منهُما: من غابت عنهُم كثيرٌ من هذه الحقائق المُؤلمة، إلاّ أنّهُم يعتذرُون: بحُسن الظّنّ بمن استضافُوهُم، وقدّمُوهُم للجماهير!
أمّا كلامُنا عن هاتين الطّائفتين فسيكُونُ باختصار:
الأُولى منهُما: من كان يعلمُ ما هُنالك من إملاءاتٍ سياسيّةٍ، ومصالح نفعيّةٍ، فهؤُلاء قد رفعُوا عقيرتهم بأهمّيّة الاستفادة من هذه الفُرص (الذّهبيّة!) لكسب كلا الطّرفين: (أهل الحقّ، وأهل الباطل) ، بحيثُ تتّسعُ دعواتُهم لشريحةٍ كبيرةٍ من المُجتمع، كُلُّ ذلك منهُم بدافع تقريب وُجهات النّظر، وتلطيف الأجواء، وتلميع المواقف لاحتواء الآخرين بطريقٍ أو آخر!
وهكذا لم تزل هذه الدّعواتُ (التّجميعيّةُ التّقميشيّةُ!) في إقبالٍ وانتشارٍ تُسابقُ الزّمان، حتّى وصلت إلى حمى كثيرٍ من أهل العلم والدّعوة بشكلٍ مُخيفٍ، وفي وقتٍ سريعٍ!