الصفحة 3 من 20

إنّ مسألة (الولاء، والبراء) [4] من أخطر المسائل اليوم؛ بل هي أخطرُها، في حين أنّها لم تكُن يومًا من الأيّام موضع مُساومةٍ، أو مُناقشةٍ بين المُسلمين (صالحهم وطالحهم) ؛ بل لم تكُن أيضًا محلّ خلافٍ (للأسف!) بين أهل السُّنّة وغيرهم من أهل البدع: كالأشاعرة، والمُعتزلة، والماتُريديّة، والكُرّاميّة، والصُّوفيّة ... فالكُلُّ منهُم يُوالي المُسلمين ويُعادي الكافرين في الجُملة، وما ذاك إلاّ أنّ مسألة (الولاء والبراء) قد اقترنت بروابط وثيقةٍ لا تنحلُّ بحالٍ من الأحوال عن ثوابتها؛ كما أنّها مُحاطةٌ بعلائق قد تفُوقُ سواها من مسائل العقيدة!

فلا عجب؛ فإنّ عقيدة (الولاء، والبراء) أصلٌ من أُصُول هذا الدّين، ولا يصحُّ الدّينُ، ولا يستقيمُ الإيمانُ، لمن لم يُحقّق اُصُول هذه العقيدة بولائها، وبرائها [5] .

قال تعالى: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة، ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير} [آل عمران28] .

قال ابنُ جريرٍ الطّبريُّ رحمهُ اللهُ في هذه الآية:"من اتّخذ الكُفّار أعوانًا، وأنصارًا، وظُهُورًا يواليهم على دينهم، ويُظاهرُهُم على المُسلمين فليس من الله في شيءٍ، أي: قد بريء من الله، وبريء اللهُ منه بارتداده، ودُخُوله في الكُفر،"إلاّ أن تتقوا منهم تقاة"أي: إلاّ أن تكُونُوا في سُلطانهم فتخافُوهُم على أنفُسكم، فتُظهرُوا لهُم الولاية بألسنتكم، وتُضمرُوا العداوة، ولا تُشايعُوهُم على ما هُم عليه من الكُفر، ولا تُعينُوهُم على مُسلمٍ بفعلٍ" [6] .

وما ذكرهُ ابنُ جريرٍ رحمهُ اللهُ: من كُفر من يقعُ في هذه المُوالاة، وخُرُوجه من دائرة الإسلام، هُو من المسائل المُجمع عليها بين عامّة أهل العلم (سلفًا وخلفًا) ، من الصّحابة والتّابعين ومن تبعهُم من الأئمّة الأعلام، ولا نعلمُ لهُم مُخالفًا، فالقضيّةُ إذن قبل أن تكُون (ولاءً، وبراءً) ، فهي: (إسلامٌ، وكُفرٌ) ، فالأمرُ جدُّ خطيرٌ!

فالّذي أباحهُ لنا كتابُ الله تعالى في الآية السّابقة: هُو عدمُ إظهار العداوة للكُفّار حال ضعفنا لأنّهُ شيءٌ، والمُوالاةُ شيءٌ آخرُ، لذا جاز لنا أن نتّقيهم بقُلُوبنا، وذلك بعدم إظهار العداوة لهُم لضعفنا، وشدّة بأسهم ... والحالةُ هذه إذا كان حرامٌ علينا مُولاتُهُم ولو بالقلب؛ ... فكيف بالتّعاوُن معهُم، لا على البرّ والتّقوى! ولكن على حرب الإسلام، والمُسلمين؟! هذا والله هُو: الكُفرُ البواحُ الّذي لنا فيه بُرهانٌ مُبينٌ، وهُو ما وقع فيه بعضُ المُسلمين هذه الأيّام عند مُناصرتهم لإمريكا وحُلفائها ضدّ المُسلمين في أفغانستان والعراق!

يقُولُ ابنُ حزمٍ رحمهُ اللهُ:"صحّ أنّ قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة51] ، إنّما هُو على ظاهره؛ بأنّه كافرٌ من جُملة الكُفّار فقطُ، وهذا حقٌّ لا يختلفُ فيه اثنان من المُسلمين" [7] .

وهذا الشّيخُ مُحمّدُ بنُ عبد الوهّاب رحمهُ اللهُ يُقرّرُ نواقض الإسلام بقوله:"النّاقضُ الثّامنُ: مُظاهرةُ المُشركين، ومُعاونتُهم على المُسلمين ..." [8] .

وقال الشّيخُ عبدُ العزيز رحمهُ اللهُ في (فتاويه) [9] :"وقد أجمع عُلماءُ الإسلام على أنّ من ظاهر الكُفّار على المُسلمين، وساعدهُم عليهم بأيّ نوعٍ من المُساعدة: فهُو كافرٌ مثلُهُم، كما قال سُبحانه: {ياأيها الذين أمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم} [المائدة51] ". انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت