الصفحة 7 من 10

ولما اشتد البلاء بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما في أن يصالح قبيلة غطفان على ثلث ثمار المدينة كي ينصرفوا عن قتال المسلمين، فأشارا عليه بألا يفعل ذلك، فتهلل وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم [13] .

في هذا المشهد يتكرر عقد مجلس الشورى كمبدإ في الحرب كما هو في السلم، وفي هذه الإطلالة يتجلى لنا ما يخفق بين جوانح المصطفى من رحمة بهذه الأمة ورغبة في تجنيب أصحابه كل المكاره، ووفائه للأنصار، واعتماده على مراكز التأثير وصنّاع القرار، وما كان طبع المصطفى صلى الله عليه وسلم يرضى بدفع الفدية للمتغطرسين فإن العزف على هذه الوتيرة لا يروق للشجعان، وقد ضربت الحرب طبولها وحمي الوطيس، وكأنما سرحت أرواح الأنصار معه في نفس المغنى، فصدرت عن الطرح الذي تهلل له وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومهما وقف الفقهاء عند هذه النقطة ليقرر بعضهم حكما فقهيا يتعلق بالصلح على المال، ودفع الجزية للأعداء، فإن الأفق النبوي كان أرحب من هذه المنحى، والغرض التربوي كان يستصدر من الأنصار حكما يتماشتى مع عزة الإسلام وغلبته قبل أن يستصدر بعضُ الفقهاء أحكامَهم من مسألة لم تستقرَّ بعد ولم تتحدد ملامحها، ولهذا ذكر أهل السير أنه لم يقع من الصلح إلا المراوضة [14] .

ويتراءى في ثنايا هذا المشهد هدف حربي بارز يتمثل في شق صف العدو، وتفتيت قوته وتحطيم نفسياته، وذلك لأن التلويح بالمال يُضعف الجانب الروحي والمعنوي.

ويقابل هذا المبدأ على المستوى الداخلي مبدأ آخر هو رفع معنويات الجند، وهما توأمان حربيان أنتجهما مخاض التفكير في كسب هذه المعركة الخطيرة.

يقول منير محمد الغضبان - معلقًا على هذا الموقف: (وبقي الفكر البشري يَجهد ويدأب فاتّجه إلى تحطيم الحصار عن طريق شق صف العدو، بإعطائه ثلث ثمار المدينة، ثم التراجع عن الفكرة عند استعداد الجيش للتضحية ... ) [15] اهـ

[13] هذه القصة رواها الهيثمي مفصلة وذكر بأنها في الطبراني بسند فيه محمد بن عمرو وحديثه حسن وبقية الرجال ثقات (مجمع الزوائد 6/ 133 وقد ذكرت القصة بالمعنى اختصارا) .

[14] سيرة ابن هشام (3/ 234) دار إحياء التراث العربي.

[15] المنهج الحركي للسيرة ص 416 مكتبة المنار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت