الصفحة 4 من 10

المشهد الثاني؛ خوارقُ أثناء الحفر

عن جابر رضي الله عنه قال: (إنا يوم الخندق نحفِر، فعرضت كُدية شديدة، فجاءوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: هذه كُدية عرضت في الخندق، فقال:"أنا نازل"، ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذَواقا، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم المعول فضرب، فعاد كثيبا أهْيل - أو أهيم - فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي صلى الله عليه وسلم شيئا ما كان لي في ذلك صبر، فعندك شيء؟ فالت: عندي شعير وعَناق فذبحت العَناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البُرمة [7] ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين فد انكسر، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقلت: طُعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال:"كم هو؟"، فذكرت له قال:"كثير طيب، فقل لها؛ لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنّور حتى آتي"، ثم نادى المهاجرين والأنصار، فقال لهم:"قوموا"... فلما دخل جابر على امرأته قال: ويحك جاء النبي بالمهاجرين والأنصار ومن معهم! قالت: هل سألك كم طعامك؟ قال: نعم، قالت: الله ورسوله أعلم، ثم جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"ادخلوا ولا تَضاغطوا"، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية! قال:"كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة") [8] .

وقال البراء: (لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول فاشتكينا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء وأخذ المعول فقال:"بسم الله"، ثم ضرب ضربة، وقال:"الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمرَ الساعة"، ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال:"الله أكبر! أعطيت فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن"، ثم ضرب الثالثة فقال:"بسم الله"، فقطع بقية الحجر، فقال:"الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني") [9] .

وفي هذا الموقف الصعب يفزع الناس إلى القائد الأعظم لِيُغيثَهم في الملمات الدنيوية كما يفزعون إليه في المهمات الأخروية، وهو لا يعتذر بشدة الجوع بل يشمر عن ساعد الجد، ويضرب الكُدية ...

وهنا تتدخل المعجزة لتضع اللمسات الأخيرة - إن صح التعبير - على هذه الشخصية الكاملة البناء، والتي وصلت في بشريتها المنتهي.

ويرسم الرسول صلى الله عليه وسلم لجنوده المستقبل الباسم، فتبرز القصور الحمراء والقصر الأبيض من خلال لمعان قدح المعول على الحجارة، ويحلق بالصحابة الأمل الباسم بعيدا عن واقعهم المتجهِّم، وربما أدركوا أن هذه الكدية إن هي إلا رمز لحالتهم الراهنة، فينبعث فيهم الأمل والتفاؤل.

وفي هذا المشهد يتواصل المد التربوي ويصب في الهدف العسكري حينما ترتفع معنويات الجند بهذه الطاقة الروحية التي أظلتهم في موقف استفرغوا فيه طاقتهم الجسدية، وتوترت أعصابهم بشكل ملحوظ، حتى عبر الشيخ محمد الغزالي عن هذه المعركة بأنها معركة أعصاب وليست معركة خسائر [10] .

ثم يكبر النبي صلى الله عليه وسلم في وسط هذا الجَُهد ليزود أصحابه بدفقة جديدة من الحماس، وهكذا يستمر إيقاع القدوة متناميا ينزع الرتابة والسآمة عن النفوس باستمرار.

لقد كانت الثقة التامة تتأسس في النفوس تجاه شخصه الأعظم صلى الله عليه وسلم فهو الذي يُفزع إليه في كل الأمور، ليقدم الحلول لكل العقبات.

وفي هذا المشهد يتراءى معنى الزهد الذي يبعد عن الأذهان أن يكون لهذا النبي الكريم ما لأرباب الدنيا من مطامح شخصية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت