وقد أتى نعيم بن مسعود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما أنت رجل واحد فخذِّل عنا إن استطعت ... ) ، والقصة معروفة في السير [16] .
عن حذيفة رضي الله عنه قال: (لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقُر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة"، فسكتنا فلم يجبه منا أحد ... - ردّد ذلك رسول الله ثلاثا - ثم قال:"قم يا حذيفة فأتنا بخبر القوم"، فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي أن أقوم، قال:"اذهب فأتني بخبر القوم، ولا تذعَرهم علي"، فلما وليتُ من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم فرأيت أبا سفيان يَصْلي ظهره بالنار، فوضعت سهما في كبد القوس فأردت أن أرميَه، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تذعَرهم علي ولو رميته لأصبتُه، فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم وفرغت قرَرْتُ فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عَباءة كانت عليه يُصلي فيها، فلم أزل نائما حتى أصبحت، قال:"قم يا نومان") [17] .
تَصُبُّ قصة نعيم في الخط الذي أشرنا إليه سابقا، والمتمثل في تفتيت قوة العدو، وتحطيم نفسياته.
هذا مع إقرار مبدإ الخدعة في الحرب وأن الصراع لا يقتصر على قراع الصوارم، بل يتجاوز إلى معركة كبيرة تلتحم فيها كل الطاقات.
وفي قصة حذيفة يتحدد الطابع الخاص للأوامر العسكرية في الإسلام، حيث تصاغ في قالب تربوي متنكرة في زي العرض والتخيير، وقد انكسرت سَورتها برافد الترغيب.
يقول عبد الله محمد الرشيد منوها بهذه القاعدة الحربية: (وقد قرر العسكريون أن القيادة الناجحة هي التي توجه جنودها إلى أهدافها عن طريق الترهيب والتشجيع ولا تلجأ إلى الأمر والحزم إلا عند الضرورة) [18] .
وفي هذه القصة أيضا تظهر أهمية المخابرات في الحرب، وضرورة معرفة أسرار الأعداء وخططهم.
قال النووي: (وفي هذا الحديث أنه ينبغي للإمام وأمير الجيش بعث الجواسيس والطلائع لكشف خبر العدو) [19] .
وكذلك يظهر في هذه القصة أهمية إطلاع القائد على كفاءات الجند ومهاراتهم لاستخدامها في الظرفية الملائمة.
وقد ظهر سر اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة حينما تفاقم الموقف واحتد،"وطلب أبو سفيان أن يعرف كل امرئ جليسه" [20] ، فظهرت رباطة جأش حذيفة في موقف لا يخلوا من فكاهة ومسحة تندر.
وفي هذا المشهد نفحات من رحمة المصطفى صلى الله عليه وسلم بأصحابه ومداعبتهم له ليمسح عنهم غبار الحرب وأتعاب العمل.
ويُسدل الستار على المعركة، ويختمها القائد الأسوة بتلك الكلمة الإيجابية: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا ... ) [21] .
إنها ختام مسك ينقل الجند إلى عالم مفعم بنشوة النصر، وتناس للآثار النفسية لهذه الأزمة وما عسى أن تحدثه من ثغرة في بناء الفرد.
[16] كتاب المغازي للواقدي (2/ 484) ، وسيرة ابن هشام (3/ 240) وعزاه ابن كثير إلى ابن إسحاق، سيرة ابن كثير (3/ 216) وانظر الفتح (7/ 402) .
[17] مسلم بشرح النووي ص 145 المطبعة المصرية ج12 كتاب المغازي والسير: باب غزوة الخندق.
[18] القيادة العسكرية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم د. عبد الله محمد الرشيد، دار القلم/دمشق.
[19] شرح مسلم للنووي، ص146،كتاب المغازي والسير، باب غزوة الخندق.