الصفحة 2 من 10

عن أنس:(خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:

اللهم إن العيش عيش الآخرهْ فاغفر للأنصار والمهاجرهْ

فقالوا محيبين له:

نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا) [1] .

وعن البراء بن عازب قال:(رأيتُه صلى الله عليه وسلم ينقل من تراب الخندق حتى وارى عني الغبارُ جلدةَ بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات ابن رواحة، ويقول:

اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الألى قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا

قال: ثم يمد بها صوته بآخرها) [2] .

وقال أبو طلحة: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجوع، فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين) [3] .

لقد كان في مبدأ حفر الخندق الذي ذكر أهل السير أنه من اقتراح سلمان رضي الله عنه [4] تأصيل لاستيراد الخطط الحربية المتطورة وغيرها من مستلزمات الرقي، وينبغي ألا يكون مبدأ الانفتاح آلية لتغطية تسلل المفاهيم الهدامة دون عرضها على مصفاة الفكر الإسلامي، حتى لا تمس بثوابت الأمة وقيمها الحضارية ...

وفي هذا المشهد الحي تطالعنا المشاركة الفعلية للقائد في ميدان العمل، بهذا السمو واستفراغ الوسع فتكاد حجُب الواقع تضفي عليها ضربا من الخيال والأسطورة.

إنّ عامة الناس ليكتفون بأقل من هذا فابتسامة القائد المتغطرس تجعل الناس ينسون فظاظته وعنجهيته ويندفعون في العمل الشاق على بَرْقها الخُلَّب، ويبنون على هيكلها المحنط ألوانا من الحكايات والأساطير، تؤلَّف فيها الكتُبُ وتصبح مثلا يتلى وأناشيد ترجَّع، ومادة يَتلهَّى بها العابثون في السمر ...

ما نشاهده هنا هو نُقلة نوعية في تعامل القادة مع شعوبهم من جمود المراسيم إلى فاعلية المفاهيم.

في هذه الإطلالة تتشابك المعاني وتتواردُ الأفكار وتتداخل النماذج: هل نقف عند مشهد التواضع الذي ترسِمه بصورة حية تلك الأتربةُ وذلك الغبارُ الذي يغطي البطن الشريف، أم عند مشهد المساواة العملي الذي لا نعرف عنه اليوم أكثر مما نعرفه عن العنقاء.

أم عند مشهد الصبر على هذا العمل الشاق حيث يتناسى القائد معاناته الشخصية في خضم المعاناة الجماعية، فيُفيض على أتباعه رهاما من كلمات الرحمة والحنان.

إن هذا المزيج التربوي يُحدث في النفوس الأثر الكبير، ولكن، هل تقف الروافد التربوية عند هذا الحد؟ كلا إن النفوس التي تُعايش هذا الإعصار من الخوف والمشقة والإرجاف لتحتاج حاجة ماسة إلى الترويح الذي تَميسُ معه النفس دون أن تفقد طابع الجد والرزانة؛ وهنا يتفجر منبع جديد من منابع هذه القدوة التي لا تنضب ولا تَغيض.

إن القائد الأعظم يرتجز بأبيات ابن رواحة، بما فيها من مُثل جميلة وأدعية جليلة تسمو بأصحابها إلى العالم العلوي، لكنها تتماوج في أنشودة أخاذة تروح عن الجند وتهدئ من أعصابهم.

ويزيد في تأثيرها ونفاذها إلى شغاف القلب صدورها من القائد الذي يشارك الرعية في أعمالهم وهمومهم.

يقول الدكتور البوطي: (فأنت تجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يندُب المسلمين إلى حفر الخندق ثم ذهب يراقبهم في قصر منيف له مستريحا هادئا، ولا أقبل إليهم في احتفال صاخب رنّان، ليمسك معول أحدهم فيضرب به ضربة واحدة في الأرض إيذانا ببدء العمل ... ) [5] اهـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت