الصفحة 14 من 23

ومن المعلوم أن من معاني الولاية؛ النصرة [24] ، فكل من نصر الحاكم بالقول أو بالفعل يلزمه هذا الحكم، ونحن ننظر إليهم كطائفة لا كأفراد من حيث التعامل معهم.

وأحكام قتالهم تماما كما أفتى شيخ الإسلام رحمه الله في شأن التتار؛ (بأنهم يقاتلون كما يقاتل المرتدون ومانعو الزكاة، لا كما يقاتل البغاة، مع إقرار أن فيهم مسلمين، وأنهم خليط من أصناف متعددة، وجمهورهم لا يصلّون ولا يقاتِلون على الإسلام ولا يضعون الجزية والصغار، بل غاية كثير من المسلمين منهم من أكابر أمرائهم ووزرائهم؛ أن يكون المسلم عندهم كمن يعظمونه من اليهود والنصارى، وهم يقاتلون على ملك آبائهم، فمن دخل في طاعتهم جعلوه وليا لهم، وإن كان كافرا، ومن خرج عن ذلك جعلوه عدوا لهم، وإن كان من خيار المسلمين، وهم مع إظهارهم للإسلام يعظمون أمر"جنكيز خان"على المسلمين المتبعين لشريعة القرآن، فهم يدعون دين الإسلام ويعظمون دين أولئك الكفار على دين المسلمين، ويطيعونهم ويوالونهم أعظم بكثير من طاعة الله ورسوله وموالاة المؤمنين، والحكم فيما شجر بين أكابرهم بحكم الجاهلية، لا بحكم الله ورسوله) [25] اهـ.

هذا مع إمكان أن يوجد في هذه الطائفة المرتدة المعينة للحكام أشخاص مسلمون يعذرون بالأعذار الشرعية، أما من انقضت هذه الأعذار في حقه، وبقي مساندا لهذه الحكومة عالما بحكمها الشرعي مختارا قاصدا؛ فهو مرتد عينا مثلها.

ونحن هنا لا يهمنا تتبع أعيان هذه الطائفة، ولكن يهمنا معرفة حكمها كطائفة، وهذا أصل شرعي عظيم، سار عليه جهاد المسلمين وقتالهم.

ألا ترى إلى هذه البلاد العظيمة التي فتحت، وإلى هذه الجماهير الغفيرة التي قوتلت من الكفار والملحدين والخوارج والبغاة ومانعي الزكاة، هل كانوا يُمتحنون فردا فردا، أو يُسألون شخصا شخصا؟ أم كان الإنذار لهم عاما والإبلاغ لهم مجملا؟ والأحكام لهم شاملة؟

وقد ذكر الماوردي رحمه الله التفريق بين المرتد المقدور عليه والمرتد الممتنع، وذلك في كلامه عن قتال أهل الردة، فقال رحمه الله:(فإذا كانوا - أي المرتدين - ممن وجب قتلهم بما ارتدوا عنه من دين الحق إلى غيره من الأديان، لم يخل حالهم من أحد أمرين:

الأول؛ إما أن يكونوا في دار الإسلام شذاذا وأفرادا، لم يتحيزوا بدار يتميزون بها عن المسلمين، فلا حاجة بنا إلى قتالهم لدخولهم تحت القدرة، ويُكشف عن سبب ردتهم ... ).

إلى قوله رحمه الله:(ومن أقام على ردته ولم يتب؛ وجب قتله، رجلا كان أو امرأة.

والثاني؛ أن ينحازوا - أي المرتدين - إلى دار ينفردون بها عن المسلمين حتى يصيروا فيها ممتنعين، فيجب قتالهم على الردة بعد مناظرتهم، ويجري على قتالهم بعد الإعذار والإنذار حكم قتال أهل الحرب في قتالهم غِرَّةً وبَياتا ... ) [26] إلى آخر كلامه رحمه الله.

قال ابن تيمية رحمه الله:(العقوبات التي جاءت بها الشريعة لمن عصى الله ورسوله نوعان:

أحدهما؛ عقوبة المقدور عليه من الواحد والعدد.

والثاني؛ عقاب الطائفة الممتنعة كالتي لا يُقدر عليها إلا بقتال) [27] اهـ.

وقال أيضا رحمه الله: (ولأن المرتد لو امتنع بأن يلحق بدار الحرب، أو بأن يكون المرتدون ذوي شوكة يمتنعون بها عن حكم الإسلام، فإنه يقتل قبل الاستتابة، بلا تردد) [28] اهـ.

وقد قرر شيخ الإسلام أن من لحق بطائفة كان حكمه حكمها، حيث قال رحمه الله: (وكل من قفز إليهم من أمراء العسكر وغير الأمراء؛ فحكمه حكمهم، وفيهم من الردة عن شرائع الإسلام بقدر ما ارتد عنه من شرائع الإسلام، وإذا كان السلف قد سموا مانعي الزكاة مرتدين - مع كونهم يصومون ويصلون ولم يكونوا يقاتلون جماعة المسلمين - فكيف بمن صار مع أعداء الله ورسوله قاتلا للمسلمين؟!) [29] اهـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت