إن كان يجدي الحر أن يتأسفا ... بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له.
قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} ، وقال تعالى: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} ، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} .
أما بعد ...
فإنا نعوذ بالله من فتنة القول كما نعوذ به من فتنة العمل، وإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الإخوة الأحبة ...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا حديث القلب إلى القلب، وحديث الصدق بلا مواراة ولا مداراة، وكلمة حق ألقيناها عسى أن تقع في قلب كل مخلص موقعًا تحرك به همته، وتزجي عزيمته، وتثير مكنون غيرته وحميته ومروءته.
نعم ... هذا الحديث إليكم من قلب يقطر دمًا وألمًا على البلادة والهوادة والمذلة التي انحطت إليها الأمة في هذا العصر فلا نجدة ولا مروءة ولا نخوة ...
لهفي على الأحرار قَلّ حفاظهم
إلا بثغر ضاع أو دين عفا ... يا ويلكم أفما لكم من صارخ
وطريقة من بعد أخرى تُقتفي ... فمدينة من بعد أخرى تُستَبى
وتزلزلت أرض العراق تخوفا ... حتى لقد رجفت ديار ربيعة
وأم تنادي وليدي وليدي ... نعم ... انحطت الأمة بلا معالم ولا أصول تهتدي بها في معتركها الشرس ولا حقائق ترتكز إليها في صراعها الوحشي.
وفي وسط هذا الخبط والتيه أردنا أن نبلغ أمانة علمناها واعتقدناها، عملًا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه) [1] .
نعم ... في وسط هذا المعترك لابد من العودة إلى الأصول لتبيُّن الطريق وتحديد العدو من الصديق، وما يستحق كل واحد منهما.
وأصل أصول عقيدة هذه الأمة هو التوحيد، وهو شهادة أن"لا إله إلا الله"، وتطبيق"لا إله إلا الله"في واقعنا - الذي تكالبت فيه الأمم علينا لتفتك بنا - يهدينا لعدة حقائق:
أولها:
أن"لا إله إلا الله"تعني؛ البراءة من كل الطواغيت، قال تعالى: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم} ، وقال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} .
وقد عرّف ابن القيم رحمه الله الطاغوت فقال: (هو كل ما جاوز العبد به حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه من غير الله ورسوله أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله) [2] اهـ.
وثانيها:
أن"لا إله إلا الله"تعني الحرب على كل أنواع الكفر، قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا"لا إله إلا الله"... ) [3] .
فكل انحراف عن عقيدة"لا إله إلا الله"مستحق للحرب والجهاد ضده، حتى يكون الدين كله لله على تفصيل بينته أحكام الشريعة الغراء.
وثالث هذه الحقائق: