الصفحة 19 من 23

وأما وجه قولنا؛"شباب مسلم حائر"

من طلب الموت فهذا الموت ... فبيانه؛ أن هذا الشباب الذي تنازعته الطرق وتفرقت به السبل، رغم وضوح سبيل الحق، وتشعبت به القضايا، رغم سهولة قضية الصدق، وتلاعبت بكثير منهم الأهواء والآراء فخلطوها بدين الله، واتخذه قطاع الطريق إلى الله فرائس ونهبا منهوبا.

هذا الشباب المسلم؛ إن تأملت أحوالهم وجدت أن كثيرا منهم لا يعلمون أوّليات التوحيد ولا أساسيات العقيدة، ومن علم ذلك منهم لم يعرف أبجديات الفقه، ومن وعى ذلك لم ينج من الدنيا، وما أدراك ما الدنيا، وللدنيا مع الدين حديث طويل آخر.

ثم من سلم من كل هذه العوائق؛ وقف حائرًا مشتتا بين ضخامة قضية التوحيد وعظم مسؤوليتها التي تنوء بها الأرض والسماوات والجبال، وبين ضراوة الباطل الذي وقف مترصدا لأي حركة أو خلجة من أجل تمكين هذه العقيدة، وبين ضخامة المسئولية وضراوة الطاغوت وشراسته، وقف هذا الشباب حائرا مترددا.

فتارة يُقدم، وتارة يحجم، وتارة يتأنى، وتارة يتهور، وتارة يتخذ مسالك يتهرب بها، وتارة يترك بلده بحثا عن فتات أو إقامة أو تأشيرة، وهو بين كل هذا منفصم الشخصية يعيش حياتين، يكذب قوله عمله، وواقعه ادعاءه.

ثم يخرج من كل هذا الغثاء طائفة - عسى الله أن يرزقنا محبتها وخدمتها ومتابعتها - تلحق بطائفة النبي صلى الله عليه وسلم المنصورة، وتدخل في متابعة الحبيب صلى الله عليه وسلم، تأخذ الأمر كما أخذه سلفها، جدًا لا هزل فيه، وعملا لا قعود فيه، ومواجهة لا مهرب منها، ومسئولية لا مناص عنها وأمانة لابد منها.

وهذه الطائفة التي يتنزل بها النصر ويستسقى بها الغمام، هؤلاء الأبطال المجهولون والضحايا المشتتون، والضعاف المشردون، إلى هؤلاء جميعا نوجه حديثنا وشجوننا ونوجههم إلى طريق الحق والنجاة.

إلى هؤلاء الضحايا الذين لا يعلم أحد عنهم شيئا، ولا ينساهم الذي يعلم السر وأخفى، فكم في أجواف السباع، وقعر الزنازين، وكهوف الجبال من أبطال دفعوا ولا زالوا يدفعون، يحتسبون أجرهم عند الله وحده، {فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} .

بدّل الناس وما بدّلوا، وباع الناس وتمسكوا، وخان الناس وأدوا، وأضاع الناس وحفظوا، لم يبدلوا عقيدتهم، ولا خلطوا الحق بالباطل، ولم يعرفوا للدعوة مصلحة موهومة، ولا للإقرار بالطاغوت سبيلا، ولم يبايعوا رئيسا ولا حاكما كافرا، {أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون} .

فهذا هو تفصيل جواب النصف الأول من السؤال الأول؛ وهو عن معرفة حال أهل مصر، وقد اعتبرنا حال أهل مصر نموذجا يُقاس عليه كل ما كان مثله.

أما عن الحكم الشرعي في معاملة من هذا حالهم:

فنذكر فيه قولا جامعا يغني عن الإطالة، فإن المقام مقام تذكير وليس مقام تفصيل، وهو قول النووي والحافظ ابن حجر رحمه الله في شرحهما لحديث النبي صلى الله عليه وسلم، الذي رواه البخاري عن جنادة قال: (دخلنا على عبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو مريض، قلنا أصلحك الله حدّث بحديث ينفعك الله به سمعته عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فقال فيما أخذ علينا؛"أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان") [38] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت