فأما وجه قولنا؛"حكومة كافرة"
فلأسباب يصعب حصرها ومخازِ يتعسر عدها، ونحن في هذا المجال الضيق نبرز أبشع الصور والأمثلة، ونحيل على مصادر معلومة، ونعالج الأمر معالجة المذكر لا المفصل، فإن الأمر قد شاع وقامت به الحجة ولا يجادل فيه إلا من في قلبه مرض.
ومن أبشع هذه الصور ...
أولًا؛ عدم الحكم بشريعة الله واستبدال قوانين مختلطة ملفقة بها: وقد سمّاها الشيخ أحمد شاكر رحمه الله ب"الياسق العصري"، كما سنذكره - إن شاء الله - في بيان أقوال العلماء في وجوب الحكم بالشريعة وكفر من خرج عنها أو حكم بغيرها.
ثانيًا؛ الاستهزاء بالشريعة: وهل هناك استهزاء أكبر من أن تؤخّر الشريعة، أو يقدم عليها غيرها، أو تجعل ورقة تعرض على هذا الهراء الذي يسمّى مجلس الشعب فيوافق عليها من يوافق ويعترض من يعترض، ويعتبر هذا هو الطريق الوحيد للحكم بها.
ناهيك عن الاستهزاء بأحكامها وبأهلها، كما قال حاكم مصر الهالك أنور السادات:"عاوزين يلّبسوا المرأة خيمة".
ومع هذا يسارع بعض المتخاذلين، ممن ينتسبون إلى الحركة الإسلامية إلى دخول هذا المجلس ويعتبرونه قمة الجهاد وأنه الوسيلة الشرعية لتطبيق الإسلام.
ثالثًا؛ الحكم بالديمقراطية: وهي كما وصفها أبو الأعلى المودودي: (حاكمية الجماهير وتأليه الإنسان) [7] ، ومن المعروف أن الديمقراطية تناقض الإسلام من عدة أوجه [8] :
الوجه الأول؛ الديمقراطية تقوم على أساس حكم الشعب نفسه بنفسه: فالحرام ما حرمه الشعب والحلال ما أحله دون النظر إلى حكم الله تعالى، فالفاصل بين الديمقراطية والإسلام في مسألة الحكم والتشريع، أن الإسلام يجعل التشريع والحكم لله تعالى، والديمقراطية هي حكم الشعب لصالح الشعب، فالمُشرِّع في الديمقراطية هو الشعب، والمُشرِّع في الإسلام هو الله سبحانه وتعالى، فالديمقراطية شرك بالله لأنها نزعت حق التشريع من المولى عز وجل وأعطته للشعب.
الوجه الثاني: الديمقراطية تقوم على مبدأ سيادة القانون: بمعنى أنه لا يجوز لأحد مخالفة القانون وإلا تعرض للعقوبة، وسواء وافق هذا القانون دين الله تعالى أو خالفه.
الوجه الثالث؛ الديمقراطية تقوم على أساس إطلاق الحرية: في الاعتقاد والتعبير عن الرأي دون النظر إلى صحة هذا الاعتقاد أو بطلانه، وفي هذا تسويغ للردة عن دين الله تعالى وإسقاط للحدود الشرعية.
رابعًا؛ استحلال المحرمات وتحريم الحلال: وأصل هذا المبدأ عندهم موجود في الدستور في المادة السادسة والستين، حيث تقول: (لا جريمة ولا عقوبة إلاّ بنص) ، يعني كل ما لم ينص عليه الدستور وبالتالي القانون؛ أنه ليس جريمة فهو ليس جريمة، وإن اجتمعت عشرات الآيات ومئات الأحاديث على أنّ هذا العمل جريمة، وما لم يكن جريمة في الدستور ولا القانون فهو حلال في الدستور والقانون، ومن حق أي مواطن يظله الدستور والقانون أن يفعل هذا الفعل ولا يستحق أي عقوبة، بل إن من يحاول أن يمنعه يكون مجرمًا في نظر الدستور والقانون، وإن كان ممدوحًا مثابًا مأجورًا في الشريعة، ويكون هو المستحق للعقوبة.
ولنضرب لذلك مثلًا صارخًا نلقي به في وجه كل من يحاول أن يسبغ الشرعية على هذا الواقع، أو من يعمل من خلال قنواته، ويدخل مجالسه، أو يشارك في وزارته ومناصبه، أو يمدح رئيسه أو يشارك في انتخابه أو يؤيده، فنقول ...
-لو أن رجلًا اشترى زجاجة خمر من محل مرخص له حسب القانون ببيع الخمور، وسار بها فقابله شاب مسلم متحمس فقام بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلم يطعه حامل الزجاجة، فقام الآمر بالمعروف فكسر الزجاجة، ثم ذهبا إلى الشرطة فمن المجرم؟ ومن البريء في نظر القانون وفي نظر الشرع؟