وقد قال أيضا رحمه الله في بيان ما يجب على المكره على قتال المسلمين: (والمقصود أنه إذا كان المكره على القتال في الفتنة ليس له أن يقاتل، بل عليه إفساد سلاحه وأن يصبر حتى يقتل مظلومًا، فكيف بالمكره على قتال المسلمين مع الطائفة الخارجة عن شرائع الإسلام - كمانعي الزكاة والمرتدين ونحوهم - فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور؛ أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون، كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين) [36] .
فمن هذا يتبين ...
أولًا: أن الطائفة المقاتلة للمسلمين والمحاربة لدين الله تعالى لا يُميّز بين أفرادها، وتقاتل قتالًا من نوع واحد، وأن من لحق بطائفة أخذ حكمها، وأنهم يقاتلون جميعا قتال المرتدين.
ثانيًا: أن المكره من هذه الطائفة يأخذ حكم غير المكره - وذلك من حيث الحكم الدنيوي الظاهر - ويقاتل قتال المرتدين، بمجرد إنذار الطائفة إنذارًا عامًا، كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
ثالثًا: أفتى شيخ الإسلام؛ أن التتار وأمثالهم ليسوا بغاة، ولا يحكم عليهم بحكم البغاة، لأن البغاة خارجون بتأويل سائغ في الشرع عن الإمام العدل، وهؤلاء ليس لهم تأويل مستساغ، وأن حكمهم كحكم المرتدين.
وممن قال بأن حكمهم حكم البغاة في زماننا هذا؛ حسن الهضيبي - مرشد الإخوان المسلمين - في كتابه"سبعة أسئلة في العقيدة"، حيث وصف حكام بلادنا بأنهم بغاة!
فنقول ردًا عليه:
إن تعريف الباغي في الشريعة هو:"من خرج على الإمام الحق بغير حق بتأويل مستساغ"، فأين الإمام الحق الذي خرج عليه هؤلاء الحكام؟! وأين تأويلهم المستساغ؟! ثم إنه وأمثاله يحكمون بقولهم هذا لهؤلاء الحكام بحكم الإيمان والإسلام، لأن الباغي مسلم، لقوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي} ، فأثبت الله للباغي حكم الإيمان رغم معصيته.
ويقول ابن تيمية رحمه الله عن التتار: (ولكن من زعم أنهم يقاتلون كما تقاتل البغاة، فقد أخطأ خطأً قبيحًا، وضل ضلالًا بعيدًا، فإن أقل ما في البغاة المتأولين أن يكون لهم تأويل سائغ خرجوا به، ولهذا قالوا؛ إن الإمام يراسلهم فإذا ذكروا شبهة بينها، وإذا ذكروا مظلمة أزالها، فأي شبهة لهؤلاء المحاربين لله ورسوله الساعين في الأرض فسادًا، الخارجين عن شرائع الدين؟! ولا ريب أنهم لا يقولون إنهم أقوم بدين الإسلام علمًا وعملًا من هذه الطائفة، بل هم مع دعواهم الإسلام يعلمون أن هذه الطائفة أعلم بالإسلام منهم، وأتبع له منهم، وكل من تحت أديم السماء - من مسلم وكافر - يعلم ذلك، وهم مع ذلك ينذرون المسلمين بالقتال، فامتنع أن تكون لهم شبهة بينة يستحلون بها قتال المسلمين) [37] اهـ.
فهذه فتاوى شيخ الإسلام واضحة بينة في أن هؤلاء التتار:
-أنهم مع ادعائهم الإسلام كفار، لكونهم يحكمون بغير شريعة الإسلام.
-أن المكره فيهم يستوي مع غير المكره في أحكام الدنيا.
-من لحق بهم أخذ حكمهم.
-أنهم ليسوا بغاة، ولكنهم مرتدون.
وأحوال التتار هي نفس أحوالنا اليوم بل أشد، كما شهد بذلك العلماء المعاصرون، كالعلامة أحمد شاكر، والعلامة محمد حامد الفقي، في تعليقهما على كلام ابن كثير في تفسير سورة المائدة - كما ذكرناه من قبل - وكذلك الشيخ محمد بن إبراهيم في رسالته"تحكيم القوانين".
ووجه الشبه؛ أنهم أعلنوا إسلامهم وحكموا بغير شريعة الإسلام، تمامًا كحكامنا في هذا الزمان، بل إن التتار لم يلزموا جمهور الناس بهذه الشرائع المبدلة، بل جعلوها فيما بينهم فقط - كما ذكر الشيخ أحمد شاكر - أما هؤلاء؛ فقد ألزموا بها كل الناس، وأطَرُوهم عليها أطرا، وعاقبوا كل من خرج عليها.