الصفحة 28 من 52

أما عن التقييم العقيدي فإنه يعد من أبعاد التصور الإعتقادي الذي قامت به الجماعة، وهؤلاء هم فتية الكهف يقول الله فيهم: (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى * وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَاتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) [سورة الكهف الآيات: 13 - 15] ، وواضح من النص أن إعلان عقيدتهم بقولهم: (رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) تبعه تلقائيًا: (هَؤُلَاء قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً) وهو تقييم لواقع قومهم بمقتضى تصورهم، وقيمة تقييم الواقع الجاهلي لا تنتهي عند اعتبارها شرطًا لصحة الاعتقاد الإسلامي ولكنها كذلك تكليف شرعي كلفنا الله به باعتبارنا شهداءه سبحانه في الأرض بدليل قوله عز وجل: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) [سورة البقرة الآية: 143] ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنتم شهداء الله في الأرض) [1] وإذا كان الإحكام أساس لمعني الحكمة فإن ذلك يقتضي ألا تطغي مهمة الشهادة أو الحكم على الناس على مهمة دعوتهم وغاية هدايتهم.

كما تقتضي عدم تجاهل مهمة التقييم والحكم والشهادة في واقع دعوتنا لهؤلاء الناس.

وبذلك يتقرر بمقتضى الحكمة أن نكون (دعاة وشهداء) في إحكام بين المهتمين.

وأما عن التقييم الحركي فمن خلاله يتحدد أسلوب المواجهة المباشرة مع الجاهلية.

فالدعوة الإسلامية لا تتحرك في فراغ ... والجاهلية ليست وضعًا ساكنًا، ولكنه وضع يملك كل خصائص الحركة وإمكانيتها ... والعلاقة بين الإسلام والجاهلية يرسمها خط مشتعل للتضاد الحركي بينهما.

فالجاهلية دعوة بدليل قول الله: (أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) [سورة البقرة الآية: 221] ، وقول الله: (وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّار) [سورة غافر الآية: 42، 41] .

والجاهلية تأثير وتأثر: (هَؤُلَاء الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا) [سورة القصص الآية: 63] ، وهكذا يكون الاستمرار.

والجاهلية التزام وتمسك (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَامُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء) [سورة هود الآية: 87]

فأصحاب الجاهلية يعتقدون أنه لا حق لهم في التصرف في أموالهم كما يشاءون، فهناك النظام الذي يجب اتباعه ...

والجاهلية إصرار ومفاصلة: (وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) [سورة البقرة الآية: 217] ، (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) [سورة إبراهيم الآية: 13] .

(1) البخاري (288/ 3) ومسلم (9499 من حديث أنس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت