الصفحة 29 من 52

والجاهلية حركة لقول الله: (أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ) [سورة ص الآية: 6] ، (وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْر) [سورة آل عمران الآية: 176] ، (وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) [سورة البقرة الآية: 205] .

والجاهلية قتال وانفاق: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) [سورة النساء الآية: 76] ، (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ) [الأنفال الآية: 36] .

تلك هي خصائص الجاهلية التي تسيطر بها على الإنسان ...

وهذه قريش تشترط على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعيد إليها كل من أسلم. حتى جاء أبو جندل مسلمًا فأعاده المسلمون التزاما بالمعاهدة ن فيأخذه المشركون مقيدًا بالحديد.

وتبعث في أثر المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لتعيدهم إليها. ويقدمون الهدايا إلى قساوسة النجاشي ملك الحبشة من أجل ادعاتهم.

وتزاحم قريش النبي صلى الله عليه وسلم في مواسم الحج لتقاوم دعوته بعد أن رأته يدعو الناس.

وهذا أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة يسبقان النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمه في لحظات موته فيحاول النبي صلى الله عليه وسلم أن ينطقه الشهادتين فتنشأ لحظات الصراع في لحظات الموت من أجل التأثير علي أبي طالب. فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عم قل: لا إله غلا الله أشهد لك بها عند الله) فيقول أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب [1] .

وهذا حاكم [2] كافر يبعث رسالة إلى فرد مسلم قاطعته الجماعة لأجل خطأ وقع فيه، فيقول له فيها: لقد علمنا أن صاحبك قد جفاك ... ما جعلك الله في دار هوان فأت إلينا نكرمك! [3] .

سبحان الله ... حاكم دولة كافر يطلب فردًا مسلمًا في توقيت خطير ليؤثر عليه ويفتنه.

صراع على الإنسان ... مزاحمة في المكان ... وملاحقة في الطرق ... مطاردة في الأرض تربص وترصد ... مراقبة وتتبع.

هذه بعض ملامح الصراع والتي لا تزال قائمة ... بل تزداد.

ولعل هذه الملامح تكون واضحة لأصحاب فكرة التربية النظرية الهادئة ...

هؤلاء الذين يتخيلون توقف الحركة الجاهلية ... ويطفئون في إحساسهم اشتعال الصراع ويفترضون أن الجاهلية ستتركهم يربون جيلًا إسلاميًا، وينشئون تجمعًا قويًا.

ولعل الخطأ الأساسي عند أصحاب هذا الفهم هو:

الظن بأن الصراع بين الجاهلية والإسلام يرجع إلى التوقع الجاهلي بأن الإسلام يريد السيطرة فيتخيلون أن الابتعاد عن محاولة الوصول للسلطة هو الذي سيعطي للمسلمين فرصة الوجود، وكمعالجة لهذا الإحساس الجاهلي. فإنهم يبدأون التجمع بعيدًا عن قضية الجهاد. مرتكزين في منهجيتهم على التربية الفردية والتبليغ بالكلمة.

وهذا الظن خاطئ لأن الصراع بين الجاهلية والإسلام يرجع إلى رفض الإسلام ذاته حتى لو تمثل في صورة فردية مجردة من أي قوة.

والقرآن يبين أن الرفض الجاهلي للوجود الإسلامي سيكون في غاية القسوة حتى لو كان هذا الوجود في أبسط صورة.

فيقول الله عز وجل: (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) [سورة الجن الآية: 19] ، والصورة المرفوضة هنا هي أن عبد الله قام يدعو الله ...

(1) البخاري (22/ 3) ومسلم رقم (24) عن المسيب بن حزن.

(2) ملك دولة غسان.

(3) كعب بن مالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت