وزخرف القول هو الخط الأول من خطوط الصراع بالكلمة من الجانب الجاهلي، يليه خط الفصل بين الإنسان والإسلام، وذلك من خلال منع الكلمة الإسلامية من الظهور: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ) [سورة فصلت الآية: 26] ، ومقاومة أثر الكلمة إذا ظهرت ومن ذلك إصرار المنافقين على اسم يثرب بعد أن دخل الإسلام في المدينة فسميت طيبة، باعتبار أن هذا الاسم أثر من آثار الإسلام في الواقع: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) [سورة الأحزاب الآية: 13] كما تمارس الجاهلية الفصل بين الإنسان والإسلام من خلال المساومة عليه والمداهنة فيه: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) [سورة القلم الآية: 9] حتى يضيع الحق بتلك المداهنة.
ومن أخطر الأساليب الجاهلية للفصل بين الإنسان والإسلام عندما يفرض كأمر واقع هو اتخاذ موقف المتبني له والداعي إليه، والرافع لشعار الإيمان به وقد كانت هذه الفكرة هي علة المحاولة الساذجة التي حاولها ابرهة الحبشي، عندما يئس من هدم الكعبة فبني كعبة أخري في بلاده ليصرف الناس عن بيت الله الحرام، ومثلما بني المنافقون مسجدًا ضرارًا ليصرفوا الناس عن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وموقف بناء الكعبة المزيفة والمسجد الضرار هو موقف الجاهلية دائمًا عندما تفشل في مواجهة واقع إسلامي.
وتعتبر الجاهلية أن الفصل بين الإنسان والإيمان ابتداء والفصل بين المؤمنين وحقيقة الإيمان هو الوسيلة الأساسية التي تفر بها من مواجهة مؤكدة الفشل مع الوجود الإيماني الصحيح، وهذه قريش تعذب ثم أبواب التعذيب بعد أن وجدت في التعذيب إصرار على الإيمان وتمسكًا به.
وتفتح أبواب الدنيا ... بآمال يصعب الفرار منها.
(إن كنت تريد مالًا أعطيناك [1] إن كنت تريد سيادة سودناك ... وعندنا أجمل بنات العرب ... ) .
فالدراهم المعدودة أثقل وزنًا من الحجر الذي كان على صدر بلال.
وإشارة الإغراء أسرع انزافا من الحربة التي ضربت بها سمية في فرجها.
والإيمان هو الحقيقة، والدليل عليها كل كلمة حق خالصة.
هذه هي أبرز الخطوط التي تتحرك فيها الجاهلية في مجال الصراع بالكلمة مع الإسلام.
واستمرار في تحديد طبيعة الصراع بالكلمة بين الجاهلية والإسلام تتحدد كذلك الأسس التي يجب أن يتحرك بها المسلمون في صراع الكلمة مع الجاهلية.
وأبرز هذه الأسس:
أ) رد الفكر الجاهلي إلى الواقع الجاهلي:
وقيمة هذا الأساس هي إبراز التناقض بينهما لرد أي إدعاء جاهلي وتكذيبه ولهذا رد القرآن إدعاء اليهود والنصارى بأنهم أبناء الله إلى واقعهم: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ) [سورة المائدة الآية: 18] .
ب) كمال المواجهة:
وأساس الكمال في الجاهلية يعني أن يكون هناك رد لكل فكرة تثيرها الجاهلية ضد الإسلام، وهذا معنى قوله تعالى: (وَلَا يَاتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا) [سورة الفرقان الآية: 33] .
كما يعني أن تكون الكلمة الأخيرة في أي جدل هي الكلمة الإسلامية وهذه قاعدة نجدها في كل حوار جاء في كتاب الله بين الجانب الإسلامي والجاهلي.
(1) أخرجه ابن إسحاق في المغازي كما في سيرة ابن هشام (185/ 1) وحسن الألباني إسنادها عن محمد بن كعب القرظي مرسلًا.