وحتى عندما يضطر المسلم للسكوت في جدل مع الجاهلية فإن يقول ما يثبت به قدرته على المواجهة ويثبت أن سكوته ليس عجزًا، إنما تنزها عن الاستمرار في مجادلة مع الجاهلية ليست بالحسنى وذلك في قوله تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا) [سورة الفرقان الآية: 63] .
ج) استرداد المفاهيم المغتصبة:
وهذا الأساس يعني أن نسترد أي مفهوم اغتصبته الجاهلية وأضافته إلى واقعها الفكري لتؤثر من خلاله على العقل البشري، وقد عرض القرآن حوارًا بين مؤمن آل فرعون وبين فرعون استرد فيه المؤمن مفهوم (الرشاد) الذي اغتصبه فرعون فوصف به نفسه،
وكان الحوار هو قول الله: (يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَاسِ اللَّهِ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) [سورة غافر الآية: 29] ، ويستمر الحوار (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ) [سورة غافر الآية: 38] .
فيسترد المؤمن بذلك مفهوم الرشاد. وبهذا الأسلوب تنشأ ضرورة استرداد أي مفهوم مغتصب بالتحديد الإسلامي الكامل لهذه المفاهيم وإثبات أنها لا تحتوي مضمونًا ولا تمثل معنى إلا بالتصور الإسلامي.
ومثال ذلك مفهوم (العدل الاجتماعي) الذي اغتصبته الشيوعية ومفهوم (المحبة) الذي اغتصبته الصليبية.
د) الجدل بالتي هي أحسن ... وهو أهم الأسس:
والجدل بالتي هي أحسن هو قرينة الحكمة في النص القرآني الذي أمر الله فيه بالدعوة إلى سبيله بها: (ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [سورة النحل الآية: 125] ، وتحديد المبادئ التي نسير عليها في الجدل مع الجاهلية، من أهم أسس الصراع بالكلمة.
وهذه المبادئ تتحدد بصفة أساسية في عدة أمور:
1)مبدأ افتراض المخالفة ... وهو المدخل الذي يضع الطرف المجادل في أول الطريق الصحيح للتفكير، وبعد أن يطمئن إلى أن الطرف المسلم يضع نفسه معه في موضع المجادلة المشتركة لمعرفة الحق. ودليل هذا المبدأ هو قول الله: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [سورة سبأ الآية: 24] .
والمساواة بين الطرفين في احتمال الهدي أو الضلال. لا يعني المساواة بين تصور الطرفين لأن النص أثبت التقابل التام في التصور.
(لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [سورة سبأ الآية: 24] . كما لا يعني انتقاض اليقين فيما عليه الجانب المسلم، ولكنه افتراض جدلي يثبت التجرد الإسلامي للحق. وقوله: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) [سورة سبأ الآية: 24] .
هذا من باب اللف والنشر: أي أن واحد من الفريقين مبطل والآخر محق لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدي أو على الضلال، بل واحد منا مصيب) [1] .
(قال قتاده: قد قال ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم للمشركين والله ما نحن وإياكم على أمر واحد أن أحد الفريقين لمهتد) [2] .
2)نفي الفضل الشخصي في مجال الجدل ...
وهذا ما نتعلمه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن حيث الوصول إلى الحق يكون الدليل قول الله: (وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي) [سورة سبأ الآية: 50]
ومن حيث الاعتقاد فيه يكون الدليل قول الله: (قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ) [سورة الزخرف الآية: 81] .
(1) تفسير ابن كثير.
(2) تفسير الطبري