فليس لي موقف شخصي تجاه العقيدة إلا التسليم بما يأمرني به ربي ومن حيث التكليف به يكون الدليل ... (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) [سورة هود الآية: 88] .
وهذا ما يثبت كذلك التجرد الإسلامي للحق.
3)مبدأ طلب الدليل ... وهو كذلك مبدأ جدلي يجب الالتزام به حتى مع الاعتقاد ببطلان الأمر الذي نطلب عليه الدليل.
ودليل ذلك قول الله: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [سورة البقرة الآية: 111] .
4)مبدأ السماع الكامل ... وهو المبدأ الذي يحقق صفة التدبر لأن التدبر من الدبر أي الآخر. وهذا يعني أن التدبر لا يتحقق إلا بسماع الكلام إلى آخره.
كما أن سماع الطرف المقابل إلى النهاية يوحي بثقة الطرف المستمع فيما عنده وهذا رسولنا عليه الصلاة والسلام يتحدث إليه عتبة بن ربيعة فلا يقاطعه الرسول حتى ينتهي ثم يقول له: (انتهيت) ؟ قال: نعم. قال: (فاسمع مني) [1] وهكذا.
5)مبدأ الدفاع عن الرأي ... وهو معنى الجدل، والالتزام بهذا المبدأ سيحدد مقياسًا علميًا لأطراف الجدل، لأنه لن يدخل الجدل إلا من هو على يقين بما عليه من رأي، ومجرد اتهام الرأي المخالف لا يتطلب العلم الذي يتطلبه الدفاع عن الرأي الصحيح. ولذلك فإن الالتزام بمبدأ الدفاع عن الرأي سيترتب عليه ارتفاع المستوي العلمي اللازم لتكوين الرأي مع انحسار موجة الجدل في حدود الضرورة.
ثانيًا؛ استخدام القوة:
ومع الأسلوب الصحيح في التبليغ والمواجهة السليمة في الصراع بالكلمة بين الجاهلية والإسلام تتأكد ضرورة القوة في مهمة التبليغ.
فللقوة أثر عميق في فهم الحق، ولهذا قال قوم شعيب له (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا) [سورة هود الآية: 91] ، وواضح من الآية أن رؤية قوم شعيب له ضعيفًا هي علة عدم فقههم للدعوة.
ولذلك يأمر الله عز وجل نبينا عليه الصلاة والسلام أن يشرد بالكفار من خلفهم لكي يتذكروا ويفهموا (فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) [سورة الأنفال الآية: 57] .
واعتبار القوة وسيلة هداية يحتم أن تصطبغ الدعوة بها.
ولهذا يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم معنى القوة محتويًا لمضمون الدعوة، فيقول: (بعثت بالسيف بين يدي الساعة، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري) [2] .
ومن أجل اصطباغ الدعوة بصبغة القوة تجد آيات قرآنية وأحاديث نبوية ليس القتال موضوعها ولكن يشعر من يقرؤها بامتزاج القوة في حقيقة هذا الدين. مثال قوله تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) [سورة النجم الآية: 9] في تحديد المسافة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرش الرحمن ليلة الإسراء حيث تحددت بقاب قوسين، ومثال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحديد وقت صلاة الضحى بأنها وقت ارتفاع الشمس في السماء: (قدر رمحين) .
واعتبار القوة وسيلة من وسائل الهداية ليس فيه تجاوز على وسيلة الإقناع بالكلمة ولكن ما يترتب على ذلك هو تحديد الأسلوب القتالي بهذا الاعتبار حتى لا تنفصل الحركة القتالية عن هدف الهداية، وارتباط حركة القتال بهدف الهداية يتحقق بأحكام محددة يجب الالتزام بها وأهمها.
(1) وهذا الأثر أخرجه ابن إسحاق في المغازي كما في سيرة بن هشام (185/ 1) بسند مرسل حسن قال الألباني ووصله عبد بن حمير وأبو يعلي والبغوي من طريق آخر وسنده حسن.
(2) أخرجه أحمد (50/ 2) عن ابن عمر وسنده حسن كما قال الحافظ في بلوغ المرام وفي الفتح (22/ 10) وصححه الشيخ شاكر في شرح المسند رقم (5114) وأنظر حجاب المرأة للألباني (ص 104) .