الصفحة 44 من 52

-وبصفة أساسية فإن ارتباط الحركة القتالية بهدف الهداية يتحقق بتقديم هذه الهدف على غرض القتال سواء كرغبة نفسية لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تتمنوا لقاء العدو فإذا لقيتموه فأثبتوا) [1] . أو كطمع في غنيمة لقول الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [سورة النساء الآية: 94] ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من الدنيا وما فيها) [2] ويعلمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ عندما تطلب الصحابة منه أن يدعو بهلاك إحدى القبائل فيقولون يا رسول الله: ادعُ الله أن يهلك دوس، فيقول عليه الصلاة والسلام: (اللهم إهد دوسًا) [3] .

ثالثًا؛ قيام السلطة:

واعتبار القوة وسيلة هداية يرجع إلى كونها أساسًا لقيام السلطة الإسلامية التي تعتبر بدورها أساسًا في تحقيق الهداية.

ودليل العلاقة بين القوة والسلطة والهداية هو قول الله عز وجل: (إِذَا جَاء نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) [سورة النصر: الآيات: 1 - 3] .

ولذلك يجب أن يكون خط القتال مشدودًا إلى موقع السلطة لتحقيق العلاقة التي أثبتها القرآن بين النصر والفتح باعتبار أن النصر هو النتيجة العسكرية للقتال وأن الفتح هو النتيجة السياسية للنصر، ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظر بعد القتال أيامًا في موقع القتال يقيم الأحكام لتصبح دار الحرب دارًا للإسلام، ويتحقق الفتح بعد النصر، مثلما انتظر الرسول في مكة بعد الفتح، وإثبات القرآن للعلاقة بين القتال والسلطة هو الذي يرد أي تصور لقيام السلطة بغير القتال. ذلك لأن السلطة الإسلامية هي التي يتحقق بها الإظهار لدين الحق ولو كره الكافرون، (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [سورة الصف الآية: 9، والتوبة: 33] ، ولن يكون ذلك إلا بالقوة كما أن السلطة الإسلامية هي التي يأمن تحتها المسلم على ماله ودينه وعرضه ولن يكون ذلك أيضًا إلا بالقوة.

كما أن القتال كأسلوب للوصول إلى السلطة يمحص أصحاب الدعوة تمحيصًا يحدد العناصر القادرة على تحمل مسئولية السلطة وتكاليفها، ذلك لأن المسلم الذي مر بتجربة الاستضعاف وبيع النفس لله بالقتال في سبيله سبحانه ... هو المسلم الذي يغلب الظن بقدرته على تحمل تلك المسئولية وهذه التكاليف دون عجز أو فتنة.

ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار الولاة على البلاد التي تفتح على المسلمين من الذين خاضوا تجربة الاستضعاف فأنكرت قلوبهم فتنة الدنيا وأصبحت لا تضرهم ما دامت السموات والأرض.

(1) أخرجه البخاري (156/ 6) ومسلم رقم (1741) عن أبي هريرة.

(2) أخرجه البخاري (70/ 7) ومسلم رقم (2406) عن سهل بن سعد.

(3) أخرجه البخاري (101/ 8) ومسلم رقم (2524) عن أبي هريرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت