كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا أيما قلب اشربها نكتت في قلبه نكته سوداء وأيما قلب أنكرها نكتت في قلبه نكتة بيضاء فأصبحت القلوب على صنفين قلب أبيض كالصفا لا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض) [1] .
المنطلق الثاني؛ وهو الإحكام بين مراحل العمل:
ومعناه تحديد الأسس التي يتم بها الانتقال من مرحلة عملية إلى مرحلة عملية أخري وأن تكون كل مقتضيات الحركة مرتبطة بالمرحلة التي تمر بها من خلال أسس ثابتة للتحرك وأهم هذه الأسس:
1)نظام التحرك:
فمن حيث نظام الارتباط يكون في مرحلة النشأة ارتباط فردي وفي مرحلة الامتداد يكون ارتباطًا عامًا.
ومن حيث نظام التحرك يكون في مرحلة النشأة تحرك محدود مثلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في دار الأرقم بن أبي الأرقم وكان كل من يريد اعتناق الإسلام يذهب إليه في تلك الدار لا يعلم أحد مكانه [2] .
أما التحرك في مرحلة الامتداد فهو تحرك عام مثل تحرك الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة حيث كان يغشي الناس في مجالسهم. حتى أن عبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين أراد أن يتحدد تحرك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: لا تغشنا في مجالسنا ولكن إذا أتي أحد إليك فتحدث معه فقد آذانا نتن حمارك، فكان سعد بن عبادة جالسًا مع القوم فقال: لا يا رسول الله، بل أغشنا في مجالسنا [3] .
وبذلك يريد عبد الله بن أبي أن يرجع بأسلوب تحرك الدعوة إلى ما كانت عليه في مكة وهذا ما رفضه أنصار المدينة. ولم يذكر رأس المنافقين سببًا لطلبة هذا سوي كلمة: لقد آذانا نتن حمارك.
وهذه الكلمة هي موقف الجاهلية الثابت عندما يفرض انتشار إسلامي ولا تستطيع رفضه مباشرة لأي سبب من الأسباب فتختلق المبررات التي تمنع بها هذا الانتشار حتى لم يجد رأس المنافقين ما يقوله سوي هذه الكلمة التي يفوح منها الشعور الجاهلي العفن تجاه أي امتداد إسلامي.
وقد تستغل الجاهلية أي خطأ قد يقع فيه أصحاب العدوة وتراه سببًا لمنع الانتشار فتضخمه وتنشره، وتهول به مثلما حدث عندما تلاحي رجل من المهاجرين مع رجل من الأنصار. فاستغل عبد الله بن أبي الموقف وأخذ يحرض على المهاجرين وفي ذلك جاء قول الله عز وجل: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ 7 يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [سورة المنافقون الآية: 7، 8] .
وبأسلوب إعلامي خبيث قال عبد الله بن أبي (مثلكم ومثل هؤلاء - يعني الأنصار والمهاجرون - كمثل القائل(سمن كلبك يأكلك) [4] .
ولعل إدراك الموقف الجاهلي من الامتداد الإسلامي المفروض عليها يعمق عند كل مسلم مسئولية المحافظة على هذا الامتداد عند التحرك في مجال الدعوة.
2)اعتبار المآل:
واعتبار المآل هو توقع النتيجة التي ستحدث بعد الانتقال من مرحلة إلى أخرى لتفادي أي أثر غير مقبول قد يحدث بهذا الانتقال.
(1) رواه مسلم رقم (144) من حديث حذيفة بن اليمان.
(2) أصحاب الأخدود للكاتب.
(3) أخرجه البخاري (122/ 10) من حديث ابن عباس رضى الله عنهما.
(4) أخرجه ابن إسحاق عن قتادة مرسلًا راجع الفتح للحافظ (650/ 8) وابن كثير في التفسير (18/ 7) .