وإما مهلك نفسه مسعد غيره وهو الذي يدعو إلى الآخرة وقد رفض الدنيا في ظاهره وقَصْدُه في الباطن قبول الخلق وإقامة الجاه، فانظر من أي الأقسام أنت؟) [1]
ومن كانت هذه حاله من السعي للدنيا وطلب الرياسة والمكانة عند الخلق فقد حقق التعاسة و (العوام العصاة أسعد حالًا من الجهّال بطريق الدين المعتقدين أنهم من العلماء؛ لأن العامي العاصي معترف بتقصيره فيستغفر ويتوب وهذا الجاهل الظان أنه عالم وأن ما هو مشتغل به من العلوم التي هي وسائله إلى الدنيا عن سلوك طريق الدين فلا يتوب ولا يستغفر؛ بل لا يزال مستمرًا عليه إلى الموت.) [2]
روى عبد الله ابن المبارك عن يزيد بن أبي حبيب قال: إن من فتنة العالم الفقيه أن يكون الكلام أحب إليه من الاستماع وإن وجد من يكفيه فإن في الاستماع سلامة وزيادة في العلم والمستمع شريك المتكلم وفي الكلام إلا ما عصم الله توهق وتزين وزيادة ونقصان ومنهم من يرى أن بعض الناس لشرفه ووجهه أحق بكلامه من بعض ويزدري المساكين ولا يراهم لذلك موضعا ومنهم من يخزن علمه ويرى أن تعليمه ضيعة ولا يحب أن يوجد إلا عنده ومنهم من يأخذ في علمه بأخذ السلطان حتى يغضب أن يرد عليه شيء من قوله وأن يغفل عن شيء من حقه ومنهم من ينصب نفسه للفتيا فلعله يؤتى بالأمر لا علم له به فيستحي أن يقول لا علم لي به فيرجم فيكتب من المتكلفين ومنهم من يروي كلما سمع حتى أن يروي كلام اليهود والنصارى إرادة أن يعزر كلامه. [3]
إن العالم الحق هو الساعي لرضوان الله تعالى وطالب الزلفى لديه والزاهد فيما عند الناس والطمع فيما عند الله.
ورحم الله شوقي حين وصف العلماء بقوله: ـ
كانوا أجل من الملوك جلالة ً وأعز سلطانا ً وأفخم مظهرا
زمن المخاوف كان فيه جنابُهم ... حرمَ الأمان ِ وكان ظِلهمُ الذرا
من كل بحر ٍ في الشريعةِ زاخر ٍ ... ويُريكهُ الخُلُقُ العظيمُ غضنفرا
(1) إحياء علوم الدين 1/ 61.
(2) إحياء علوم الدين 1/ 120
(3) الزهد لابن المبارك 1/ 16 - 17 باب من طلب العلم لغرض من الدنيا