ودخل ابن محيريز حانوتًا بدانق وهو يريد أن يشتري ثوبًا، فقال رجل لصاحب الحانوت: هذا ابن محيريز فأحسن بيعه فغضب ابن محيريز وخرج، وقال: إنما نشتري بأموالنا، لسنا نشتري بديننا.
وقال رجاء بن حيوة بعد موت ابن محيريز: وأنا والله إن كنت لأعد بقاء ابن محيريز أمانًا لأهل الأرض. [1]
ورحم الله يحيى بن معاذ الرازي كان يقول لعلماء الدنيا: يا أصحاب العلم: قصوركم قيصرية، وبيوتكم كسروية، وأثوابكم ظاهرية، وأخفافكم جالوتية، ومراكبكم قارونية، وأوانيكم فرعونية، ومآثمكم جاهلية، ومذاهبكم شيطانية، فأين الشريعة المحمدية. [2]
وأكثر أمراض حملة العلم حب الرياسة - أي المكانة عند الخلق - وهذا هو السم الزعاف والداء العضال ولا ينجوا منه إلا الصفوة من العلماء الربانيين.
قال أبو حامد الغزالي رحمه الله (ولولا حب الرئاسة لاندرس العلم ولا يدل ذلك على أن طالب الرئاسة ناج، بل هو من الذين قال صلى الله عليه وسلم فيهم: «إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم» ، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر» ، فطالب الرئاسة في نفسه هالك وقد يصلح بسببه غيره إن كان يدعو إلى ترك الدنيا وذلك فيمن كان ظاهر حاله في ظاهر الأمر ظاهر حال علماء السلف، ولكنه يضمر قصد الجاه، فمثاله مثال الشمع الذي يحترق في نفسه ويستضيء به غيره فصلاح غيره في هلاكه، فأما إذا كان يدعو إلى طلب الدنيا فمثاله مثل النار المحرقة التي تأكل نفسها وغيرها.
فالعلماء ثلاثة:
إما مهلك نفسه وغيره وهم المصرحون بطلب الدنيا والمقبلون عليها.
وإما مسعد نفسه وغيره وهم الداعون الخلق إلى الله سبحانه ظاهرًا وباطنًا.
(1) صفة الصفوة 4/ 206
(2) إحياء علوم الدين 1/ 89