الصفحة 30 من 47

فلما دخلوا عليه قال له: يا أبا عبد الرحمن ما السلامة من الدنيا؟

قال: يا أبا عبد الله لا تسلم من الدنيا حتى يكون معك أربع خصال: تغفر للقوم جهلهم، وتمنع جهلك منهم، وتبذل لهم شيئك، وتكون من شيئهم آيسًا، فإذا كنت هكذا سلمت ... [1]

قال الغزالي تعليقا على القصة: والتحقيق أن التزين بالمباح ليس بحرام ولكن الخوض فيه يوجب الأنس به حتى يشق تركه.

واستدامة الزينة لا تمكن إلا بمباشرة أسباب في الغالب يلزم من مراعاتها ارتكاب المعاصي من المداهنة ومراعاة الخلق ومراءاتهم وأمور أخر هي محظورة.

والحزم اجتناب ذلك لأن من خاض في الدنيا لا يسلم منها ألبتة ولو كانت السلامة مبذولة مع الخوض فيها لكان صلى الله عليه وسلم لا يبالغ في ترك الدنيا حتى نزع القميص المطرز بالعلم ونزع حاتم الذهب في أثناء الخطبة إلى غير ذلك. [2]

قال المناوي رحمه الله تعالى:"فينبغي للعالم أن لا يشين علمه وتعليمه بالطمع ولو ممن يعلمه بنحو مال أو خدمة وإن قل ولو على صورة الهدية التي لولا اشتغاله عليه لم يهدها وقد حث الأئمة على أن لا يدنس العلم بالأطماع ولا يذل بالذهاب إلى غير أهله من أبناء الدنيا بلا ضرورة ولا إلى من يتعلمه منه وإن عظم شأنه وكبر قدره وسلطانه والحكايات عن مالك وغيره مشهورة فعلى العالم تناول ما يحتاجه من الدنيا على الوجه المعتدل من القناعة لا الطمع وأقل درجاته أن يستقذر التعلق بالدنيا ولا يبالي بفوتها فإنه أعلم الناس بخستها وسرعة زوالها وحقارتها وكثرة عنائها وقلة غنائها". [3]

قال القاضي أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني رحمه الله تعالى:

يقولون لي فيك انقباضٌ وإنما ... رأوا رجلًا عن موقف الذل أحجما

أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمتهُ عزة النفس أكرما

ولم أقض حقَّ العلم إن كان كلما ... بدا طمعٌ صيرته لي سلما

(1) - إحياء علوم الدين 1/ 97 - 100

(2) إحياء علوم الدين 1/ 97 - 100

(3) فيض القدير 4/ 290

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت