ومن القضايا التي أخذت مساحة كبيرة في اهتمام المؤلف رحمه الله، وتكررت في مواطن عديدة من الظلال قضية الولاء والبراء، والتي فقه الأستاذ المفسر أنها من أخطر قضايا العقيدة وأهمها، وأشدها لصوقًا بمنهج التربية الضروري للجماعة المسلمة في مرحلة التكوين والإعداد، وقد بين رحمه الله أنه لا يجتمع في قلب مسلم حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه .. وأن أي خلخلة في بنيان هذا المفهوم في وجدان المسلم لابد أن يحدث زلزالًا في كيانه يفقده توازنه، ويفقده صدقه، بل إنه يزيغ قدمه عن الطريق، ليتعطل هناك على جنباته، فلا هو مضى لهدفه ولا هو نجا من السقوط.
يقول رحمه الله عند تفسير قوله تعالى {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء - إلا أن تتقوا منهم تقاة - ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير. قل إن تخفوا ما في صدروكم أو تبدوه يعلمه الله، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض، والله على كل شيء قدير. يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا. ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد} : لقد استجاش السياق القرآني في الفقرة الماضية الشعور بأن الأمر كله لله، والقوة كلها لله، والتدبير كله لله، والرزق كله بيد الله .. فما ولاء المؤمن إذن لأعداء الله؟ إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون .. ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد، وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو والى من لا يرتضي أن يحكم كتاب الله في الحياة، سواء كانت الموالاة بمودة القلب، أو بنصره، أو باستنصاره سواء:
(لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين. ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء) ..
ومن خصائص هذا التفسير: تميزه بأبحاث تربوية إيمانية موضوعية يستخلصها المؤلف الموفق رحمه الله من الآيات ويعرضها بعبارة أدبية شيقة، وحرارة إيمانية صادقة، وعمق في نظرته التربوية، وجدية في عرض موضوعاته، وتحليل دقيق للحدث الذي تتناوله الآيات في واقعية مقنعة، ودونما تعسف أو تكلف.
لقد أدرك المؤلف رحمه الله أن منهج القرآن في تعبيد الناس لله، وإقامة الجماعة المسلمة التي تقوم بتكاليف هذا الدين منهج قائم على الواقعية والصدق والجدية، فلم يشغل القارئ بمباحث جدلية سواء كان ذلك عند تقريره للعقيدة في النفوس، أو كانت في شرح أحكام فقهية، فلا تجده يُدخل القارئ في جدل علم الكلام، ولا الخلافات الفقهية الفرعية. بل نجده يعيش مع القارئ في جو الآيات وما تسكبه في النفس من إيمان وما تستجيشه فيها من التقوى، ثم ما يترتب على ذلك من التسليم لأحكام الدين وشريعته دونما تلكؤ أو ترخص، أو طلب للمتعة العقلية أو الترف الفكري، أو التسلية الثقافية.
يقول المؤلف رحمه الله (الظلال 2/ 987) :