مراعاته إبراز ذلك الترابط العجيب بين مواكب الإيمان على طول التاريخ الإنساني، وتحديد أواصر تلكم الروابط الإيمانية متمثلة في أجلى معانيها في حياة الرسل الكرام، وذلك من شأنه أن يعطي السائر في ظلال القرآن طاقة دافعة للثبات والمضي دونما استيحاش أو تردد، وفيم الاستيحاش ولم التردد والرفقة كريمة رفيعة؟، إنه الشعور العميق بالدفء والأنس والكرامة.
يقول صاحب الظلال عليه رحمة الله تعالى: والمؤمن ذو نسب عريق، ضارب في شعاب الزمان. إنه واحد من ذاك الموكب الكريم، الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم: نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب ويوسف، وموسى وعيسى، ومحمد .. عليهم الصلاة والسلام .. (وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) ..
كان صاحب الظلال موفقًا غاية التوفيق في إلقائه الأضواء الباهرة على سجل الدعوة إلى الله متمثلًا في مسيرة الرسل الكرام وما لاقوه من عنت ومعاناة وإيذاء، وما كانوا عليه من صبر جميل، ونبل كبير، ورغبة صادقة في هداية أقوامهم، وثقة لا حدود لها في نصر الله وتأييده، واحتساب يهون عليهم كل مشقة، ويملأ نفوسهم الكبيرة بالروح والاطمئنان، وهو درس كبير للدعاة على مر الأجيال، ومعالم ساطعة على الطريق.
يقول رحمه الله: هذا الموكب الكريم، الممتد في شعاب الزمان من قديم، يواجه - كما يتجلى في ظلال القرآن - مواقف متشابهة، وأزمات متشابهة، وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكر الدهور، وتغير المكان، وتعدد الأقوام. يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى، والاضطهاد والبغي، والتهديد والتشريد .. ولكنه يمضي في طريقه ثابت الخطو، مطمئن الضمير، واثقا من نصر الله، متعلقا بالرجاء فيه، متوقعا في كل لحظة وعد الله الصادق الأكيد: (وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا. فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين، ولنسكننكم الأرض من بعدهم. ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) .. موقف واحد وتجربة واحدة. وتهديد واحد. ويقين واحد. ووعد واحد للموكب الكريم .. وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف. وهم يتلقون الاضطهاد والتهديد والوعيد.
وإن من الخطوط العريضة التي ما فتئ صاحب الظلال يبرزها ويجليها في كتابه: الحكمةُ البالغة التي صبغت الكون كله معلنة أن الخالق العظيم حكيم خبير، وأنه لا مجال لتصور العبث في الخلق، كما لا مجال لتصور المصادفة العمياء أو الاتفاق العارض. إنه القصد الحكيم والإرادة المبصرة. فالكتاب يدعو إلى فتح العيون وإنفاذ البصائر لاستجلاء جوانب الحكمة الإلهية، والاستسلام لأمره والتسليم لحكمته في رضى ويقين.
يقول رحمه الله: وفي ظلال القرآن تعلمت أنه لا مكان في هذا الوجود للمصادفة العمياء، ولا للفلتة العارضة: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) .. (وخلق كل شيء فقدره تقديرا) .. وكل أمر لحكمة. ولكن حكمة الغيب العميقة قد لا تتكشف للنظرة الإنسانية القصيرة: (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل) .