الصفحة 18 من 24

التنبيه إلى تناسق المعاني بين افتتاح السورة وختامها وإبراز الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم، والتناسب الموضوعي في دروسه ومقاطعه، وقد كان ذلك ظاهرًا في تعريفه بكل سورة في مطلع تفسيره لها، وعرض موضوعها الأساسي وموضوعاتها الفرعية وذلك قبل الشروع في تفسيرها التفصيلي، فيقف القاريء بذلك على شخصية السورة وملامحها جملة واحدة، وهذا من شأنه أن يساعد القاريء على ربط موضوعات السورة الفرعية بموضوعها الأساسي. ففي سورة البقرة على سبيل المثال نجد أنها افتتحت بالحديث عن الإيمان بالغيب، واختتمت بالحديث عن الإيمان بالأنبياء كلهم، وبالكتب كلها وبالغيب وما وراءه، مع السمع والطاعة: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله، وقالوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير. لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا، ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا، ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به، وأعف عنا واغفر لنا، وارحمنا، أنت مولانا، فانصرنا على القوم الكافرين) .. وفي النهاية نرى ختام السورة ينعطف على افتتاحها، فيبين طبيعة التصور الإيماني.

ومن ثم يتناسق البدء والختام، وتتجمع موضوعات السورة بين صفتين من صفات المؤمنين وخصائص الإيمان.

وإن مما أولاه رحمه الله أكبر الأهمية في تفسيره موضوع الأسرة المسلمة كنواة للمجتمع المسلم المنشود الذي دندن في طول كتابه حوله، واستخلص من ثنايا الآيات الكريمة ما يلزم إقامته في مرحلة التأسيس، ثم ما يحتاجه من صيانة وحماية حتى يشتد وينضج ويقوى على الآفات وينجح في تحدي الأعاصير، فإذا به زرع أخضر طيب يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار.

يقول رحمه الله في الظلال: تنظيم مؤسسة الأسرة .. ، هو تنظيم مؤسسة الأسرة؛ وضبط الأمور فيها؛ وتوزيع الاختصاصات، وتحديد الواجبات؛ وبيان الإجراءات التي تتخذ لضبط أمور هذه المؤسسة؛ والمحافظة عليها من زعازع الأهواء والخلافات؛ واتقاء عناصر التهديم فيها والتدمير، جهد المستطاع:

(الرجال قوامون على النساء، بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم، فالصالحات قانتات، حافظات للغيب بما حفظ الله. واللاتي تخافون نشوزهن، فعظوهن، واهجروهن في المضاجع، واضربوهن. فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا. إن الله كان عليًا كبيرًا. وإن خفتم شقاق بينهما، فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها، إن يريدا إصلاحًا يوفق الله بينهما. إن الله كان عليمًا خبيرًا)

ولا بد - قبل الدخول في تفسير هذه النصوص القرآنية، وبيان أهدافها النفسية والاجتماعية - من بيان مجمل لنظرة الإسلام إلى مؤسسة الأسرة، ومنهجه في بنائها والمحافظة عليها، وأهدافه منها .. بيان مجمل بقدر الإمكان، إذ أن التفصيل فيه يحتاج إلى بحث مطول خاص:

إن الذي خلق هذا الإنسان جعل من فطرته"الزوجية"شأنه شأن كل شيء خلقه في هذا الوجود: (ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون) ..

ثم شاء أن يجعل الزوجين في الإنسان شطرين للنفس الواحدة: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها) ..

وأراد بالتقاء شطري النفس الواحدة - بعد ذلك - فيما أراد، أن يكون هذا اللقاء سكنًا للنفس، وهدوءًا للعصب، وطمأنينة للروح، وراحة للجسد .. ثم سترًا وإحصانًا وصيانة .. ثم مزرعة للنسل وامتداد الحياة، مع ترقيها المستمر، في رعاية المحضن الساكن الهاديء المطمئن المستور المصون:

(ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة) ..

(هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت