(نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم، وقدموا لأنفسكم، واتقوا الله) ..
(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا وقودها الناس والحجارة) .
ومن الخصائص التي ميزت كتاب الظلال أنه أبرز دور الصحابة الكرام رضي الله عنهم في القيام بأمر هذا الدين وتمثله في واقع الحياة على أرفع صورة وأصدق نموذج، في عالم التصديق واليقين، وفي ميدان البذل والعطاء والتضحية بالنفس والمال مع الرضى التام، وقد نقل للقارئ صورًا من هذا المستوى السامق ليبين أن القرآن بمستواه الرفيع إنما جاء للإنسان الذي يعلم خالقُه أن في مقدوره أن يقوم به إن هو صدق، {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} .وقد أوضح رحمه الله أن الإسلام دين الواقعية، وأنه ليس مبادئ خيالية فوق مستوى البشر.
يقول عند تفسير قوله تعالى {ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة. ثم توفى كل نفس ما كسبت، وهم لا يظلمون} (ص 504 - 505) :
يهدد الذين يغلون، ويخفون شيئا من المال العام أو من الغنائم، ذلك التهديد المخيف:
روى الإمام أحمد. حدثنا سفيان عن الزهري، سمع عروة يقول: حدثنا أبو حميد الساعدي قال: استعمل رسول الله رجلا من الأزد يقال له ابن اللتيبة. على الصدقة. فجاء فقال: هذا لكم وهذا أهدي إلي. فقام رسول الله على المنبر فقال: ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي. أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، وإن بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر .. ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه. ثم قال: اللهم هل بلغت؟ - ثلاثا - .. [وأخرجه الشيخان] وروى الإمام أحمد بإسناده، عن أبي هريرة قال: قام فينا رسول الله يوما فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره. ثم قال: لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة، فيقول: يا رسول الله أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك. لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت. فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد بلغتك .. [وأخرجه الشيخان من حديث أبي حيان] ..
وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن عدي بن عميرة الكندي. قال: قال رسول الله: يا أيها الناس. من عمل لنا منكم عملا، فكتمنا منه مخيطا فما فوقه، فهو غل يأتي به يوم القيامة .. قال: فقام رجل من الأنصار أسود - قال مجاهد: هو سعد بن عبادة كأني أنظر إليه - فقال: يا رسول الله، أقبل مني عملك. قال: وما ذاك؟ قال: سمعتك تقول: كذا وكذا. قال: وأنا أقول ذلك الآن. من استعملناه على عمل فليجيء بقليله وكثيره. فما أوتي منه أخذه؛ وما نهي عنه انتهى .. [ورواه مسلم وأبو داود من طرق عن إسماعيل بن أبي رافع] ..