لقد كان رحمه الله سلفيًا في تلقيه النصوص القرآنية وتعامله معها، وكان يصرح بأن القرآن والسنة هما المصدران اللذان يكَوِّن المسلم عقيدته وفهمه على ضوئهما، وأنه لا يقبل في التصور الإيماني أن يؤمن إنسان بالله العليم الخبير، الكبير المتعال، ثم يذهب يطلب الهداية بعيدًا عنه، أو يعتقد أن جهة أخرى يمكن أن يكون عندها الحق والهداية، وما يحتاج إليه الإنسان في صلاح أمره في الدنيا والآخرة، إن المؤلف رحمه الله يجلي هذه المسألة ويحسمها مهتديًا بطريقة القرآن {فماذا بعد الحق إلا الضلال} ثم يوضح أن العقيدة لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة وفهم الصحابة والتابعين لهذين الأصلين العظيمين.
وأما العقل فمجاله الفهم عن الله ورسوله، أما أن يستقل بإنشاء الأحكام وتقرير العقيدة فهذا ما لا يقبله عقل سليم، فضلًا عما يواجهه العقل إذا اندفع خارج الحدود التي رسمها له خالقه .. إنه يضل ويتحير ويدمر صاحبه. لقد كان منهجه في تقرير العقيدة مؤسسًا على هذين المصدرين اليقينيين، وكثيرًا ما نجده يحذر من الوقوع في التأثر برواسب الثقافات البشرية التي تؤثر بصورة سلبية على صفاء العقيدة، ويعني الفلسفات والتصورات المبنية على التخمينات والتوهمات والمجازفات، والتي لا تستند على أرض صلبة من الحقائق.
كما أن من القضايا التي أولاها المؤلف رحمه الله عناية خاصة في بحثها وجودة عرضها مسألة المقررات السابقة التي يسلم بها المرء دونما أساس واضح من المنهجية العلمية في البحث والنظر، وإنما هي مقررات استقرت عنده بناء على اعتبارات بعيدة عن العلم والتحقيق، ثم يذهب يطلب لها الدليل والاعتراف من القرآن، فيقع عنذاك في التعسف في فهم الآيات أو ليّ عنق النصوص لتوافق مقرراته السابقة التي يصعب عليه مخالفتها.
ولقد كان سيد نفسه صورة حية صادقة لهذا التجرد حيث كانت الثقافة السابقة التي تضلع منها ونشأ عليها في بيئته الأدبية التي ترعرع في جوها، كان لهذه الثقافة ثقلها في نفسه ولصوقها في فكره، لكنه لما آمن وصدق وفقه وأيقن أن القرآن هو الأصل الذي يجب أن يخضع له العقل، وأن تنطوي عليه حنايا القلب، وأن ينطبع به السلوك والواقع، حينذاك طلب من القرآن ومن السنة الهداية فصفت له عقيدته، وصفى له منهجه.
يقول رحمه الله:
وإذا كان المصدر الذي يزعم الكهان أنهم يستقون منه معلوماتهم عن الغيب، يقرر أنه هو لا يدري عن ذلك شيئا، فقد انقطع كل قول، وبطل كل زعم، وانتهى أمر الكهانة والعرافة. وتمحض الغيب لله، لا يجترئ أحد على القول بمعرفته، ولا على التنبؤ به. وأعلن القرآن تحرير العقل البشري من كل وهم وكل زعم من هذا القبيل! وأعلن رشد البشرية منذ ذلك اليوم وتحررها من الخرافات والأساطير!
أما أين يقف ذلك الحرس؟ ومن هو؟ وكيف يرجم الشياطين بالشهب؟ فهذا كله مما لم يقل لنا عنه القرآن ولا الأثر شيئا، وليس لنا مصدر سواهما نستقي منه عن هذا الغيب شيئا؛ ولو علم الله أن في تفصيله خيرا لنا لفعل. وإذ لم يفعل فمحاولتنا نحن في هذا الاتجاه عبث؛ لا يضيف إلى حياتنا ولا إلى معرفتنا المثمرة شيئا!
ولا مجال كذلك للاعتراض أو الجدل حول الشهب، وأنها تسير وفق نظام كوني، قبل البعثة وبعدها ووفق ناموس يحاول علماء الفلك تفسيره، بنظريات تخطئ وتصيب. وحتى على فرض صحة هذه النظريات فإن هذا لا يدخل في موضوعنا، ولا يمنع أن ترجم الشياطين بهذه الشهب عند انطلاقها. وأن تنطلق هذه الشهب رجوما وغير رجوم وفق مشيئة الله الذي يجري عليها القانون!