وروى بإسناده عن أبى الأشعر العبدي عن أبيه، أن زيد بن صوحان سأل سلمان، فقال: يا أبا عبد الله، آية من كتاب الله قد بلغت مني كل مبلغ .. {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} ! فقال سلمان: هو الشرك بالله تعالى ذكره. فقال زيد: ما يسرني بها أني لم أسمعها منك، وأن لي مثل كل شيء أمسيت أملكه.
فهذه الآثار الثلاثة تصور لنا كيف كان حس هذا الرهط الكريم بهذا القرآن الكريم. كيف كانت جدية وقعه في نفوسهم. كيف كانوا يتلقونه وهم يشعرون أنه أوامر مباشرة للتنفيذ وتقريرات حاسمة للطاعة، وأحكام نهائية للنفاذ. وكيف كانوا يفزعون حين يظنون أن هناك مفارقة بين طاقتهم المحدودة ومستوى التكليف المطلوب. وكيف كانوا يجزعون أن يؤاخذوا بأي درجة من درجات التقصير، والتفاوت بين عملهم وبين مستوى التكليف. حتى يأتيهم من الله ورسوله التيسير.
إنه مشهد كذلك رائع باهر .. مشهد هذه النفوس التي حملت هذا الدين .. وكانت ستارا لقدر الله؛ ومنفذا لمشيئته في واقع الحياة .. .اهـ
لقد كان المؤلف رحمه الله من أهل البيان، ولا ريب في أنه أخذ من علوم العربية قسطًا كبيرًا أعانه على فهم مراد الله تعالى في كتابه الكريم، وأنه اطلع على التفاسير الموجودة، وأنه كان واسع الأدب حلو العبارة، دقيق النظر، مرهف الحس، عارفًا بكثير من علوم الآلة، وعلم الناسخ والمنسوخ وأسباب النزول، يظهر كل ذلك لمن طالع كتابه بإنصاف وتجرد، ولهذا حصل من كتابه النفع الكثير للمسلمين.
كان رحمه الله يتأمل النص تأملًا عميقًا، ويدرسه دراسة جادة، ويسجل ما يلمحه من الدروس والعبر والدلالات ثم يوجه القارئ إلى الفهم الذي يراه أصوب وأدق، وكان مهتمًا على الدوام بربط جزئيات التوجيه القرآني سواء في عالم الأخلاق والسلوك أو ما يتعلق بإقامة المجتمع المسلم أو ما يتعلق بفهم طبيعة الصراع بين الإسلام والكفر، وما يقتضيه ذلك من الولاء والبراء .. كان حريصًا في كل ذلك على الربط بين هذه التوجيهات وأصل الإيمان، وأنه لا ينفك الإيمان مطلقًا عن مقتضياته من العمل، سواء كان العمل في صورة قلبية كالحب في الله والبغض فيه وما يترتب عليه عمليًا من الولاء والبراء، أو كان في ميدان العمل المتمثل في الخضوع لله في كل أمره، واقفًا في هذا كله تحت راية السلف الصالح في عقيدتهم الراسخة بأن الإيمان قول وتصديق وعمل، ولئن كانت جموع غفيرة من المسلمين قد تنكبت الطريق، وحادت عن الجادة، فإن عقيدة الإرجاء التي سرت في ديار المسلمين وترسخت في وجدان كثير من المسلمين، وأحدثت هذا الخلل الهائل في مسيرتها، هي العامل الأساس في انفصال العمل عن الاعتقاد، وهي السبب الرئيس في ترك الأمة العمل اكتفاء بشعورها بالانتماء إلى أمة الإسلام، واقتناعًا بما تحس به من إيمان وإن كان باهتًا ضعيفًا لا يحرك نفوسهم إلى عمل. وكأن الأستاذ المفسر رحمه الله قد أدرك بدقيق فهمه أن مكمن المرض هنا، وأن موطن الخلل هنا، وأن عند هذه النقطة يجب أن يقف الدارسون والمعنيون بالعمل على إرجاع الأمة إلى جادة الطريق.
أدرك رحمه الله أنه لابد من العمل، وأن العمل هو مقتضى الإيمان، وأن إيمانًا بلا عمل بمقتضاه إنما هو إيمان ناقص ضعيف لا ينفع صاحبه في الدنيا حق النفع، وقد لا ينجيه في الآخرة، وإن صرخ مدعوه بأعلى أصواتهم بدعواهم الكاذبة.