الصفحة 14 من 24

فنجد أن صاحب الظلال رحمه الله يذكر مثلًا قول مجاهد أو يضمنه بيانه للآية، غير أنه يستلهم النص معاني أوسع تكافئ ما استجد في أزماننا من تنوع صور الباطل، وتفنُّن أهلِه في تلوين أباطيلهم بألوان خادعة تصرف عوام المسلمين عن حقيقة الإيمان، فإذا بجموع المسلمين بسبب هذا الخداع ينحرفون عن الإسلام، ويقعون في ألوان من الشرك وهم يحسبون أنهم على الجادة، فاحتاج المفسر الموفق إلى أن يضع تفسيره على هذا النحو من التفصيل والتحديد والتفريع لمعاني الإيمان ليكشف النفاق وأهله ويعري الباطل وأهله وليقف الناس بعد هذا الوضوح أمام مفرق الطريق ليختاروا أن يكونوا عبيدًا لله أو يكونوا عبيدًا لأهوائهم أو أصنامهم الخفية التي صنعوها في وجدانهم حين بهت الإيمان واندرست في واقعهم معالمه.

وقد قسم العلماء التفسير بالرأي إلى تفسير بالرأي المحمود، وتفسير بالرأي المذموم ويعنون بالأخير تفاسير المبتدعة.

والباحث في ظلال القرآن يجد أنه في جانب منه تفسير بالرأي المحمود بجانب كونه تفسيرًا بالمأثور. فكان رحمه الله يفسر القرآن بالقرآن، ثم بالحديث النبوي، ثم بأقوال الصحابة أو سيرتهم وأحوالهم، يحرص في ذلك على إيراد الروايات المأثورة عن السلف الصالح.

ولقد راق لبعض الدارسين أن يسميه التفسير الحركي، ويعني به التفسير الذي اعتمد التأصيل والتوضيح والتفصيل ليرسم للجماعة المسلمة الطريق الذي تمضي عليه وهي تنبعث في دعوتها وجهادها، ويكشف لها المعاني الدقيقة لتفهم الواقع حولها لتبصر المزالق المخوفة، يفعل ذلك لتتضح الجادة ويمضي السائرون الجادون الصادقون في طريق الإيمان لا يكتنفهم غبش ولا إبهام ولا إيهام. وهي اصطلاحات حادثة ولا مُشاحة في الاصطلاح، وإن شئت قلت: التفسير التربوي، أو التفسير الموضوعي الذي يعتني ببحث المواضيع عند ورود مناسبتها في الآيات، فالمؤلف رحمه يستطرد كثيرًا ويتوسع في بحث المواضيع التي انتفع بها الباحثون والدعاة والمربون أيما انتفاع، ولا ريب أن كتاب الظلال تتضح منه هذه السمات، لكنه لا ينحصر في تلك المعاني الحركية والتربوية بل يفسر كل آية بما تتضح به؛ شأنه في ذلك شأن المفسرين السابقين الذين التزموا تعظيم السنة، وتقديم التفسير بالمأثور، وبيان المراد من الآية أو الآيات وعدم معارضة المأثور برأيه المجرد بحال.

وهاك نموذجًا من التفسير بالمأثور في الظلال: -

يقول رحمه الله: وهذا القرآن يتنزل عليهم غضا؛ وتشربه نفوسهم؛ وتعيش به وله؛ وتتعامل به وتتعايش بمدلولاته وإيحاءاته ومقتضياته، في جد وفي وعي وفي التزام عجيب، تأخذنا روعته وتبهرنا جديته؛ وندرك منه كيف كان هذا الرهط الفريد من الناس، وكيف صنع الله بهذا الرهط ما صنع من الخوارق، في ربع قرن من الزمان:

روى ابن جرير - بإسناده - عن عبد الله بن إدريس، قال:"لما نزلت هذه الآية: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} ، شق ذلك على أصحاب رسول الله وقالوا: أينا لم يظلم نفسه؟ قال: فقال رسول الله ليس كما تظنون. وإنما هو ما قال لقمان لابنه: {لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم} .."

وروى كذلك - بإسناده - عن ابن المسيب، أن عمر بن الخطاب قرأ: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم} فلما قرأها فزع. فأتى أبى بن كعب. فقال: يا أبا المنذر، قرأت آية من كتاب الله. من يسلم؟ فقال: ما هي؟ .. فقرأها عليه .. فأينا لا يظلم نفسه؟ فقال: غفر الله لك! أما سمعت الله تعالى ذكره يقول: {إن الشرك لظلم عظيم} ؟ إنما هو: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت