وأما الأحكام الشرعية فتطلب ويسأل عنها عند وقوع الأقضية التي تتطلب هذه الأحكام .. وهذا هو منهج الإسلام ..
ووعى الصدر الأول هذا المنهج واتجاهه؛ فلم يكونوا يفتون في مسألة إلا إذا كانت قد وقعت بالفعل؛ وفي حدود القضية المعروضه دون تفصيص للنصوص، ليكون للسؤال والفتوى جديتهما وتمشيهما كذلك مع ذلك المنهج التربوي الرباني:
كان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يلعن من سأل عما لم يكن .. ذكره الدارمي في مسنده .. وذكر عن الزهري قال: بلغنا أن زيد بن ثابت الأنصاري كان يقول إذا سئل عن الأمر: أكان هذا؟ فإن قالوا: نعم قد كان، حدث فيه بالذي يعلم. وإن قالوا: لم يكن، قال: فذروه حتى يكون. وأسند عن عمار بن ياسر - وقد سئل عن مسألة - فقال: هل كان هذا بعد؟ قالوا: لا. قال دعونا حتى يكون، فإذا كان تجشمناها لكم.
وقال الدرامي: حدثنا عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن فضيل، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب رسول الله ما سألوه إلا عن ثلاث عشرة مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن، منهن: (يسألونك عن الشهر الحرام) .. (ويسألونك عن المحيض) .. وشبهه .. ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم.
وقال مالك: أدركت هذا البلد [يعني المدينة] وما عندهم علم غير الكتاب والسنة. فإذا نزلت نازلة، جمع الأمير لها من حضر من العلماء، فما اتفقوا عليه أنفذه. وأنتم تكثرون المسائل وقد كرهها رسول الله!
وقال القرطبي في سياق تفسيره للآية: روى مسلم عن المغيرة بن شعبة عن رسول الله قال: إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات. وكره لكم ثلاثا: قيل وقال؛ وكثرة السؤال، وإضاعة المال .. قال كثير من العلماء: المراد بقوله:"وكثرة السؤال": التكثير من السؤال في المسائل الفقهية تنطعا، وتكلفا فيما لم ينزل، والأغلوطات، وتشقيق المولَّدات. وقد كان السلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلف. ويقولون: إذا نزلت النازلة وفِّق المسؤول لها ..
إنه منهج واقعي جاد. يواجه وقائع الحياة بالأحكام، المشتقة لها من أصول شريعة الله، مواجهة عملية واقعية .. مواجهة تقدر المشكلة بحجمها وشكلها وظروفها كاملة وملابساتها، ثم تقضي فيها بالحكم الذي يقابلها ويغطيها ويشملها وينطبق عليها انطباقا كاملا دقيقا ..
فأما الاستفتاء عن مسائل لم تقع، فهو استفتاء عن فرض غير محدد. وما دام غير واقع فإن تحديده غير مستطاع. والفتوى عليه حينئذ لا تطابقه لأنه فرض غير محدد. والسؤال والجواب عندئذ يحملان معنى الاستهتار بجدية الشريعة؛ كما يحملان مخالفة للمنهج الإسلامي القويم.
وقد قسم العلماء التفاسير تقسيمات توضح مزايا كل تفسير، فقالوا: التفسير بالمأثور أي الذي اعتمد على المأثور من حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تفسير ما يتناوله من آيات، وكذا أقوال الصحابة رضي الله عنهم، وكذا أقوال التابعين الذين اشتهروا بالتفسير كمجاهد بن جبر وهو من التابعين الذين تلقوا جميع التفسير عن الصحابة. قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس أوقفه عند كل آية منه وأسأله عنها.
وقال سفيان الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به.
ولهذا اعتمد الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهم من أهل العلم على تفسيره.