قال رحمه الله في الظلال (1/ 30) : لقد كان اليهود هم أول من اصطدم بالدعوة في المدينة؛ وكان لهذا الاصطدام أسبابه الكثيرة .. . اهـ
فبين رحمه الله أن أول هذه الأسباب: ما انطوت عليه نفوسهم الشريرة من بغض وحسد وكيد للنبي صلى الله عليه وسلم فاستقبلوه بهذه العداوة ودأبوا على ذلك حتى أجلاهم.
قال رحمه الله: قد كان اليهود يزعمون أنهم شعب الله المختار، وأن فيهم الرسالة والكتاب. فكانوا يتطلعون أن يكون الرسول الأخير فيهم كما توقعوا دائما. فلما أن جاء من العرب ظلوا يتوقعون أن يعتبرهم خارج نطاق دعوته، وأن يقصر الدعوة على الأميين من العرب فلما وجدوه يدعوهم - أول من يدعو - إلى كتاب الله، بحكم أنهم أعرف به من المشركين، وأجدر بالاستجابة له من المشركين .. أخذتهم العزة بالإثم، وعدوا توجيه الدعوة إليهم إهانة واستطالة!
ثم إنهم حسدوا النبي حسدا شديدا. حسدوه مرتين: مرة لأن الله اختاره وأنزل عليه الكتاب - وهم لم يكونوا يشكون في صحته - وحسدوه لما لقيه من نجاح سريع شامل في محيط المدينة. على أنه كان هناك سبب آخر لحنقهم ولموقفهم من الإسلام موقف العداء والهجوم منذ الأيام الأولى: ذلك هو شعورهم بالخطر من عزلهم عن المجتمع المديني الذي كانوا يزاولون فيه القيادة العقلية والتجارة الرابحة والربا المضعف! هذا أو يستجيبوا للدعوة الجديدة. ويذوبوا في المجتمع الإسلامي. وهما أمران - في تقديرهم - أحلاهما مر!
لهذا كله وقف اليهود من الدعوة الإسلامية هذا الموقف.
وهكذا يمضي رحمه الله مع الآيات وهي تصف اليهود وصفًا دقيقًا وتبين جحودهم لنعم الله عليهم، وفسوقهم عن كتابهم وشريعتهم .. ونكثهم لعهد الله معهم: (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون. وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم. ولا تكونوا أول كافر به، ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا، وإياي فاتقون. ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون. وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين. أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم؟ وأنتم تتلون الكتاب؟ أفلا تعقلون؟) .. (أفتطعمون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون؟ وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا: آمنا، وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم؟ أفلا تعقلون؟) .. (وقالوا: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة. قال: أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده؟ أم تقولون على الله ما لا تعلمون؟) .. (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين) ... (وإذا قيل لهم: آمنوا بما أنزل الله. قالوا: نؤمن بما أنزل الله علينا، ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم) ...