الصفحة 1 من 24

دراسة نقدية لأهم ما يميز تفسير

"في ظلال القرآن"

عن غيره من التفاسير

تأليف الدكتور: صفاء الضوي أحمد العدوي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه .. أما بعد:

فلا شك أن كتاب في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب رحمه الله قد أحدث في ساحة الفكر الجاد صدى واسعًا، وأثار في أوساط المثقفين على اختلاف مشاربهم جدلًا كبيرًا، وأن ذلك كان بسبب ما أحدثه الكتاب من تأثير كبير في مجتمعات المسلمين، وقد شهد المنصفون من الدارسين بأن الكتاب قد نجح في إحداث تلك الهزة الفكرية والإيمانية الواسعة في العالم الإسلامي بما امتاز به من الأصالة والجدية والصدق.

الأصالة التي يمثلها اعتماده على المصادر الموثوقة الأمينة وهي القرآن الكريم وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتجرده عند البحث من الانصياع لأي مقررات سابقة، فلم يستلهم في دراساته القرآنية إلا نصوص الوحي المتمثلة في القرآن والسنة.

وأما الجدية فمعناها أن المؤلف لم ينظر إلى تفسير القرآن على أنه ترف فكري أو تسلية ثقافية أو لهو عقلي، بل جعل من أهدافه في الظلال إبراز سمة الجدية، فكان رحمه الله يشعر أنه في ميدان المعركة، فواجه الجاهلية وسدنتها مواجهة المجاهد الشجاع الهاديء الواثق بربه وبالحق الذي ملأ جوانحه وامتلك عليه نفسه، فلم يعبأ بالجاهلية ولم يخفه انتفاشها، ولم يخدعه بريقها، ولم ينطل عليه زيفها، فمزق بعزم المؤمن الثابت قناعها الخادع، فجاء كتابه جهادًا جادًا مباركًا يلمسه كل دارس جادّ.

وأما الصدق فيشهد به من عرف المؤلف، وما أحاط به من ظروف زمن تأليفه للكتاب، وما كان عليه رحمه الله من ثبات وصبر وعزم، فلقد عاش المؤلف بروحه وفكره وشعوره وكيانه كل ما سطره في كتابه، فلا يحتاج صدقه إلى دليل بعدما جاد بنفسه في سبيل الله فصدع بالحق، ونصح لأمته أخلص النصح .. نحسبه كذلك والله حسيبه ولا نزكي على الله أحدًا.

يعد تفسير في ظلال القرآن نقلة جديدة واسعة رائدة في عالم التفسير، فهو من كتب التفسير بالرأي المحمود، حيث لم يخالف المؤلف رحمه الله معتقد أهل السنة والجماعة بل وافقه ونصره في تفسيره في جميع المواطن التي تناولت قضايا الإيمان ومباحث العقيدة، فعقيدته في الصحابة موافقة لما عليه أهل السنة والجماعة من حب الصحابة رضي الله عنهم وتوقيرهم بل إنه يصرح بأن ذلك الجيل الفريد الذي تربى على القرآن وهدي النبي صلى الله عليه وسلم، لم يتكرر في التاريخ على هذا النحو من عمق الإيمان وإخلاص التوحيد وبذل النفس والمال تحت راية الإسلام.

كما أنه رحمه الله عرض في كتابه عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة الإيمان وأنه قول وعمل بطريقة جديدة، حيث فصّل القول بأقوى الحجج وأنصع البراهين على أن الإيمان إذا انفصل عن العمل لم يعد إيمانًا، بين ذلك بجلاء لا سيما في قضية الحكم والتشريع، وهي القضية التي أصيبت الأمة بغيابها وانفصالها عن أصل الإيمان في شعور كثير من المسلمين إصابة بالغة.

فلم يكن سيد رحمه الله يعتمد في أمر العقيدة سوى القرآن والحديث، كما كان موفقًا في الحذر من التأثر برواسب الثقافات البشرية والتي عكرت صفاء النبع الذي استقى منه الجيل الأول الذي تفرد بتمام النقاء في جانب التلقي والاعتقاد.

ولقد ظل مخلصًا لهذا المنهج طوال كتابه مستلهمًا الهداية من التنزيل الحكيم وهدي سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، ولهذا وصفه النقاد المنصفون بأنه كان سلفي المنهج، وهذا حق لا ريب فيه، ولقد أثرى بهذا المنهج في عرض القرآن الكريم الدراساتِ التربويةَ الإسلامية أيما إثراء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت