الصفحة 2 من 24

بل إنه رحمه الله انتقد مناهج بعض المفسرين قبله في أنهم نظروا إلى العقيدة بمنظار الفلسفة والجدل فعقّدوها على المسلمين، ولو أنهم أخذوا عقيدتهم من القرآن والسنة مباشرة لما وقع الجدل والخصام، ولما فُتح على المسلمين في هذا الجانب باب الشقاق والفرقة.

ولا يحتاج الدارس لكتاب الظلال لكبير جهد ليقف على مجانبة المؤلف لمنهج المعتزلة في تضخيم دور العقل في منهج التلقي وتكوين العقيدة، وخوضهم في مناهج كلامية جدلية عقيمة دوخت الدارسين وغبشت على المسلمين عقيدتهم السهلة الميسرة، فقد كان قلمه حاسمًا واضحًا في هذه القضية حيث بين رحمه الله أن دور العقل لا يتجاوز التلقي عن الوحي، وأنه تابع للوحي وليس العكس، وأن العقل إذا استقل في طلب الهداية وابتعد عن الوحي ضل وانحرف.

يقول رحمه الله في عبارة شفافة قاطعة:"والعقل بمصاحبة وحي الله وهداه بصير، وبترك وحي الله وهداه أعمى".

كما يقرر المؤلف رحمه الله عقيدة أهل السنة والجماعة في مسألة زيادة الإيمان بالطاعات فيقول (الظلال 3/ 1475) :"والقلب المؤمن يجد في آيات هذا القرآن ما يزيده إيمانًا ..".اهـ

كما أن المؤلف رحمه الله عبر عن منهجه في أسماء الله وصفاته فبين أنها توقيفية؛ لا مجال للعقل في الوقوف عليها إلا من جهة نصوص الوحي فحسب، هذا، ولا ننكر أن بعض عبارات المؤلف في هذا الصدد كانت موهمة غير واضحة مما فتح الباب لانتقادات حادة وجهها البعض للكتاب ومؤلفه، ولا شك أن سيدًا رحمه الله قد غلب على عباراته وهو يعالج بعض مسائل العقيدة شيء من الاتساع والتسامح لإخراج العبارة في صورتها الأدبية البليغة المعهودة غير أن ذلك أحيانًا يكون على حساب الدقة والضبط اللازمين للتعبير عن مثل هذه القضايا الدقيقة.

فقد فسر قوله تعالى {ثم استوى على العرش} بعبارة غير صحيحة حيث قال: إنها كناية على الاستعلاء والسيطرة، وقال: كناية عن الهيمنة، والصحيح قول أهل السنة: استوى: علا وارتفع. وغفر الله للأستاذ سيد ما كان من كبوات قلمه، وجزاه خير ما جازى به عالمًا عاملًا.

وإن مما يؤسف له ما يقع فيه بعض طلبة العلم من الحدة عند النقد، وإغفال الإشارة إلى مكانة هذا الكتاب النفيس بين كتب التفسير، فعلى سبيل المثال نجد أن أحد المراجعين للظلال وهو الأستاذ عبد الله الدويش يقسو في عباراته وهو يراجع الأستاذ سيد في خطأه في تفسير الاستواء، فيقول الدويش في كتابه"المورد الزلال في التنبيه على أخطاء تفسير الظلال": هذا قول الجهمية الضلال المعطلين.

وعلى كل حال، فإن مما تقرر عند المسلمين أن كل امريء يؤخذ منه ويرد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن الكلام في موقف البعض الذين حمّلوا تلك العبارات أكثر مما تحتمل فبدلًا من أن يغتفر الخطأ اليسير للمؤلف بجانب الحسنات العظيمة التي يفصح عنها كتابه القيم ذهب البعض إلى إبراز هذه الهنات أو الأخطاء التي هي بمثابة قطرات من نهر كبير وإغفال ماء النهر كله، ولو أنصفوا لخففوا من غلوائهم وحملوا أمره على مجمل ما في الكتاب من خير وعلم ومنهج سلفي واضح المعالم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت