كما أن من أهم ما يميز هذا التفسير هو ذلك الإلحاح الصبور على ترسيخ قضية (توحيد الله في الحكم والتشريع) في عقل القارئ وقلبه، وإزالة كل غبش عنها، ونفض كل غبار تراكم على مفهومها عبر قرون من الجهل والغفلة والتراجع والانهزامية .. إن المؤلف رحمه الله لم يغفل هذه القضية في أي مرحلة من رحلته الطويلة في ظلال القرآن عن التنبيه على الترابط المتين بين توحيد الله تعالى والتسليم لأمره، والإيمان بصفات الكمال والجلال لله الخالق والانقياد لشرعه .. وأن ذلك الإيمان المبصر هو الواحة الصالحة الرفيعة المباركة التي تفعم نفس المؤمن بالسكينة والراحة، وتحرره من أغلال الشح والجبن، وتطهره من أوضار الشهوات والأطماع، وترتقي به في مراقي الفلاح، ليعمر الأرض من خلال منهج الله الذي أراده لعباده.
يقول رحمه الله: وانتهيت من فترة الحياة - في ظلال القرآن - إلى يقين جازم حاسم .. إنه لا صلاح لهذه الأرض، ولا راحة لهذه البشرية، ولا طمأنينة لهذا الإنسان، ولا رفعة ولا بركة ولا طهارة، ولا تناسق مع سنن الكون وفطرة الحياة .. إلا بالرجوع إلى الله ..
والرجوع إلى الله - كما يتجلى في ظلال القرآن - له صورة واحدة وطريق واحد .. واحد لا سواه .. إنه العودة بالحياة كلها إلى منهج الله الذي رسمه للبشرية في كتابه الكريم .. إنه تحكيم هذا الكتاب وحده في حياتها. والتحاكم إليه وحده في شؤونها. وإلا فهو الفساد في الأرض، والشقاوة للناس، والارتكاس في الحماة، والجاهلية التي تعبد الهوى من دون الله: (فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين) ..
ويضيف: إن الاحتكام إلى منهج الله في كتابه ليس نافلة ولا تطوعا ولا موضع اختيار، إنما هو الإيمان .. أو .. فلا إيمان .. (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم) .. (ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون. إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا، وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين) ..
والأمر إذن جد .. إنه أمر العقيدة من أساسها .. ثم هو أمر سعادة هذه البشرية أو شقائها ..
إن هذه البشرية - وهي من صنع الله - لا تفتح مغاليق فطرتها إلا بمفاتيح من صنع الله؛ ولا تعالج أمراضها وعللها إلا بالدواء الذي يخرج من يده - سبحانه - وقد جعل في منهجه وحده مفاتيح كل مغلق، وشفاء كل داء: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين)
ولقد كانت تنحية الإسلام عن قيادة البشرية حدثا هائلا في تاريخها، ونكبة قاصمة في حياتها، نكبة لم تعرف لها البشرية نظيرا في كل ما ألم بها من نكبات .. لقد كان الإسلام قد تسلم القيادة بعدما فسدت الأرض، وأسنت الحياة، وتعفنت القيادات، وذاقت البشرية الويلات من القيادات المتعفنة؛ و (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس)
ثم يزيد الأمر وضوحًا وحسمًا يقطع كل شك في تلكم القضية الخطيرة فيقول عند تفسيره لقول الله تعالى (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) : بهذا الحسم الصارم الجازم. وبهذا التعميم الذي تحمله (مَن) الشرطية وجملة الجواب. بحيث يخرج من حدود الملابسة والزمان والمكان، وينطلق حكما عاما، على كل من لم يحكم بما أنزل الله، في أي جيل، ومن أي قبيل ..