والعلة هي التي أسلفنا .. هي أن الذي لا يحكم بما أنزل الله، إنما يرفض ألوهية الله. فالألوهية من خصائصها ومن مقتضاها الحاكمية التشريعية. ومن يحكم بغير ما أنزل الله، يرفض ألوهية الله وخصائصها في جانب، ويدعي لنفسه هو حق الألوهية وخصائصها في جانب آخر .. وماذا يكون الكفر إن لم يكن هو هذا وذاك؟ وما قيمة دعوى الإيمان أو الإسلام باللسان، والعمل - وهو أقوى تعبيرا من الكلام - ينطق بالكفر أفصح من اللسان؟!
إن المماحكة في هذا الحكم الصارم الجازم العام الشامل، لا تعني إلا محاولة التهرب من مواجهة الحقيقة. والتأويل والتأول في مثل هذا الحكم لا يعني إلا محاولة تحريف الكم عن مواضعه .. وليس لهذه المماحكة من قيمة ولا أثر في صرف حكم الله عمن ينطبق عليهم بالنص الصريح الواضح الأكيد.
ثم وقعت تلك النكبة القاصمة، ونحي الإسلام عن القيادة. نحي عنها لتتولاها الجاهلية مرة أخرى، في صورة من صورها الكثيرة. صورة التفكير المادي الذي تتعاجب به البشرية اليوم، كما يتعاجب الأطفال بالثوب المبرقش واللعبة الزاهية الألوان!
وإن مما يميز كتاب الظلال هو الاسترسال غير المتكلف عبر المعاني التي تتعلق بالآية أو الآيات، والإشارة إلى صور من الواقع داخلة في معنى الآيات، موسعًا بذلك أرجاء الرؤية، وكان المفسرون يقتصرون على تجلية المعنى بأوجز عبارة دون الإشارة إلى الصور المتعددة للباطل التي تشير الآية إليها، فلما كان هذا الزمان، وعم الجهل بالقرآن ولغة القرآن، وشرد الناس بعيدًا عن أخلاق القرآن وهداياته، وتعطل شرعه، فما عاد يسود ويعلو كما أمر الله، كانت حاجة الناس ماسة إلى معالجة التفسير على نحو جديد يتمثل في التفهيم والشرح والإسهاب، وتقليب الصور المتعددة للباطل على ضوء القرآن لتنكشف الحقائق وتنجلي، فاحتاج المفسر الموفق في هذا الزمان أن يعرض لألوان الباطل الخادعة فيكشف خداعها، ولهذا كان كتاب الظلال متميزًا بطريقته في التفصيل والتعيين والقصد الواضح دونما مواربة أو مجاملة .. كان صريحًا في ندائه للأمة النائمة أن تصحو، وأن تعود مرة أخرى إلى جادة الطريق .. إلى المنهج الإلهي .. ليعود إليها عزها الذي كان.
يقول رحمه الله - وكأنه يشير بوضوح إلى العلمانيين؛ ذلك النبت الضار الذي نما في ديار المسلمين وتخلل كالمرض الخطير أعضاء الأمة وحناياها، وتمكن من مواطن التأثير في المجتمعات المسلمة: