الصفحة 14 من 27

أولًا: صالح بن عبد القدوس:

هو صالح بن عبد القدوس بن عبد الله بن عبد القدوس من أهل البصرة، كان يجلس للوعظ ويقص الأخبار. غير أنه كان يزين الثنوية (دين الفرس القديم) ، فلما اشتهر أمره استقدمه الخليفة المهدي، لكنه هرب إلى دمشق واستخفى بها زمنًا فلما عرف المهدي مكانه، وجه إليه قريشًا الحنظلي فقبض عليه وجاء له إلى بغداد. فحاكمه المهدي ثم قتله سنة 167هـ. ويجمع الإخباريون أن صالح بن عبد القدوس كان من كبار الزنادقة وأنه كان من الثنوية من أتباع ماني .. وقد ذكره ابن النديم في معرض ذكره عن كبار الزنادقة:"ومن رؤسائهم المتكلمين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الزندقة: ابن طالوت ( .. ) وصالح بن عبد القدوس"وذكره الخطيب في تاريخه:"صالح بن عبد القدوس أبو الفضل البصري مولى لاسد أحد الشعراء اتهمه المهدى أمير المؤمنين بالزندقة فأمر بحمله اليه واحضره بين يديه فلما خاطبه اعجب بغزارة ادبه وعلمه وبراعته وحسن بيانه وكثرة حكمته فأمر بتخلية سبيله فلما ولى رده وقال له:"

ألست القائل والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه

إذا ارعوى عاد الى جهله ... كذى الضنى عاد الى نكثه

قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: فأنت لا تترك أخلاقك ونحن نحكم فيك بحكمك في نفسك ثم أمر به فقتل وصلب على الجسر .. ويقال إن المهدى أبلغ عنه أبيات يعرض فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم فاحضره المهدى وقال له أنت القائل هذه الأبيات قال لا والله يا أمير المؤمنين والله ما أشركت بالله طرفة عين فاتق الله ولا تسفك دمى على الشبهة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ادرءوا الحدود بالشبهات وجعل يتلو عليه القرآن حتى رق له وأمر بتخليته فلما ولى قال أنشدنى قصيدتك السينية فأنشده حتى بلغ البيت أوله والشيخ لا يترك أخلاقه فأمر به حينئذ فقتل ويقال إنه كان مشهورا بالزندقة وله مع أبي الهذيل العلاف مناظرات"قال عنه الذهبي في ميزان الإعتدال: (صاحب الفلسفة والزندقة) .. وذكر ابن المعتز سببًا لا عتقاله وهو أنه طعن على الرسول صلى الله عليه وسلم ورجح أن الخليفة هارون الرشيد هو الذي قبض عليه وتولى محاكمته، وأمر بقتله، وإن كان معظم المؤرخين يرون أن المهدي هو الذي قتله .. وعلى أية حال هم متفقون جميعًا على زندقة صالح بن عبد القدوس وأنه ألف كتبًا في نصرة المانوية وتصدى للمتكلمين الذين كانوا يدافعون عن الإسلام .. المهم أن ابن المعتز تفرد بهذه الرواية التي تثبت زندقة ابن عبد القدوس حيث يقول:"حدثت من غير هذا الوجه بما هو عندي أثبت من الأول، وذلك ما رويناه أنه أنهي إلى الرشيد عنه هذه الأبيات، يعرض فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم:

غصب المسكينَ زوجتَهُ ... فجرتْ عيناهُ من دُرَرهْ

ما قضى المسكينُ من وطرِ ... لا ولا المعشارَ من وطرهْ

عذتُ بالله اللطيف بنا ... أن يكونَ الجوْرُ من قَدَره

خلاصة القول في صالح بن عبد القدوس:

أنه كان زنديقًا زندقة دينية لا زندقة اجتماعية .. فلم تكن زندقته على سبيل اللهو والعبث والمجون، بل كان يعتقد تعاليم ماني الفارسية القديمة اعتقادًا صادقًا، وكان يومن بالإثنية والإمتزاج بين إله النور وإله الظلمة، وكان يتمسك بنحلته وبمعتقده تمسكًا قويًا، ويدافع عنه دفاعًا مستميتًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت