الإشارة في الآيات هى لهزيمة المسلمين في أحد .. وقد كان في وقعة أحد دروس كثيرة للمؤمنين، أبرزتها سورة آل عمران، ومنها هذا الدرس .. فقد بدأت المعركة بنصر المسلمين، ولكن الرماة الذين أمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا يغادروا أماكنهم بأى حال من الأحوال ولو رأوا المسلمين تتخطفهم الطير، أباحوا لأنفسهم التصرف في الأمر حين ظنوا أن المعركة قد انتهت، وخافوا أن يضيع نصيبهم من الغنائم، فحالفوا أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونزلوا من فوق الجبل، فاغتنم الفرصة خالد بن الوليد- وكان يقاتل في صفوف الكفار إذ لم يكن قد أسلم بعد - فكر بخيله من وراء الجبل وعاد يهاجم جيش المسلمين وهم بغير حماية، إذ كانت الحماية التى خطط لها القائد - صلى الله عليه وسلم - هى الرماة من فوق جبل الرماة .. فوقعت الهزيمة المرة التى قتل فيها سبعون من الصحابة فيهم سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، وشج وجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وكسرت رباعيته .. فأصاب المؤمنين غم كبير وقالوا: أنى هذا؟! كيف وقع هذا؟ كيف هزمنا ونحن المؤمنون وهم الكفار؟!
وتنزل القرآن يعطيهم الدرس، أو مجموعة الدروس 00
(( ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ) ) [1] 0
فالتنازع، والاختلاف، وعصيان أمر القائد كان السبب في الهزيمة: (( قل هو من عند أنفسكم ) )0
ولكن الدرس لا ينتهى هنا 00
إن الله يقول لهم إن ما أصابهم يوم التقى الجمعان هو بإذن الله! وإن له حكمته عند اله: كى يتميز الصف، ويعلم المؤمنون، ويعلم المنافقون00
وهذا في ذاته درس هائل 00 فقدر الله لا ينفى مسئولية الإنسان عن عمله حين يخطئ! بل يظل مسئولا عن خطئه، وعن نتائج خطئه، ولا ينفى المسئولية عنه أنه قدر مقدر من عند الله0
درس ضد الاحتجاج بقدر الله لنفى مسئولية الإنسان عن أخطائه .. ودعوة للإنسان أن يقوم بالعمل على وجهه الصحيح، فإذا جاء قدر الله على غير ما يرغب، فعندئذ يقول إنه قدر مقدور لا حيلة له فيه، ولكن يعلم في الوقت ذاته أنه قدر له حكمته عند الله، سواء أدرك الحكمة في لحظتها أم غابت عنه 00
وإذا تتبعنا السورة فسنجد درسا آخر:
(( الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم(172) الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (173) فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم )) [2] 0
إن وقع قدر الله على غير ما يرغب الإنسان ليس معناه القعود والاستكانة بحجة التسليم بقدر الله! إنما التسليم بقدر الله معناه ألا يتفطر قلب الإنسان ولا تذهب نفسه حسرات ويتوقف عن العمل، بل يعمل، متطلعا إلى قدر من الله جديد، يغير الله به من حال إلى حال. فهؤلاء الذين دعاهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى معاودة القتال، فذهبوا بجراحاتهم، من الله عليهم بأن جعل الأعداء ينكلون عن القتال، ويكتفون من الغنيمة بالإياب!
ومن قبل جاء في سياق السورة درس أخر:
(( ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين ) ) [3] 0
فليست الهزيمة العسكرية مسوغا للانكسار النفسى ولا الهزيمة الداخلية، فاستعلاء المؤمن لا ينخدش بالظروف العارضة التى تعرض له، لأنه يعتز قبل كل شىء بالإيمان:
(1) سورة آل عمران: 152
(2) سورة آل عمران: 172 - 174
(3) سورة آل عمران: 139