(( فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورًا(11) وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قوارير من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورًا (19) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكًا كبيرا (20) عاليهم ثياب من سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورًا (21) عن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورًا )) [1] 0
ماذا تجد في نفسك حين تتبع هذه المشاهد في القرآن الكريم؟
إنك أولًا في عرض متنوع على الدوام، سواء من حيث الإيجاز والتطويل، أو من حيث مفردات الوصف للنعيم والعذاب، التى تختلف في كل معرض عنها في المعرض الآخر، والتى تشكل في كل مرة صورة مختلفة عن الصورة الأخرى، حتى إن اتحدث في عموميتها0
وأنت ثانيًا في عرض حى متدفق الحيوية، لا تملك ألا تنفعل به نفسك، ويتأثر به وجدانك0 بل لا تملك إلا أن تعيش فيه كأنه حاضر أمامك اللحظة، يحيط بك من كل جانب، ويأخذ عليك أقطار نفسك، بل يصل التأثر به أن يعيش الإنسان فيه كأنه حاضر، وكأن الحياة الدنيا- التى هى الحاضر في الحقيقة- كانت واقعا قديما، حدث ذات يوم ثم مضى وانقضى، وليست هى التى يعيشها الإنسان في هذه اللحظة، فيظل خاطر الآخرة حيا في النفس لا يفارقها، يما تشتمل عليه من صور النعيم والعذاب، الأولى تدفع الشوق إلى الجنة، والثانية تحذر من الوقوع في العذاب0 وذلك من الإعجاز00
وثمة مجال ثالث يبدو فيه التنويع- لا التكرار- أوضح ما يكون، ذلك مجال الآيات الدالة على قدرة الله00
إن القرآن- كما قلنا- كتاب هداية، مهمته الأولى هداية الناس إلى ربهم، وإلى الصراط المستقيم:
(( قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين(15) يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم )) [2]
وأوسع الأبواب التى ترد في القرآن لتعريف الناس بربهم هو الآيات الدالة على قدرة الله، والتى تؤدى بالقلب البشرى- حين يتدبرها على حقيقتها- أن ينبذ الآلهة الزائفة كلها، ويتعلق بالإله الحق، الذى لا إله غيره، ويعبده وحده بلا شريك0
وفى مكان آخر من الكتاب سنتكلم عن هذه النقطة في مجال الإعجاز الدعوى، والإعجاز التربوى0 إنما نريد هنا أن نتحدث عنها من ناحية دخولها في ظاهرة التنويع، التى يخيل للإنسان للوهلة الأولى أنها تكرار، ولكنها ليست تكرارًا في الحقيقة، إنما هى عرض متنوع على الدوام0
الآيات في مجملها واحد: خلق السموات والأرض، وخلق الناس، وتدبير الكون، والهيمنة التامة على كل ما في الوجود ومن في الوجود، سواء في الماضى أو الحاضر أو المستقبل، والحاكمية المطلقة على كل شئ في الكون المادى أوفى حياة البشر0
ولكن هذه الأمور لا تأتى في صورة واحدة00 بل في مئات الصور في القرآن من أوله إلى آخره0
وتختلف الصور00 مرة من حيث الطول والقصر، ومرة من حيث المفردات المذكورة في كل منها، ومرة من حيث الحجم الذى تأخذه كل مفردة من المفردات في سياق السورة0
فخلق السموات والأرض ربما كان أكثر الآيات ورودا في معرض إثبات قدرة الله التى لا تحدها حدود. ولكن هذه القضية الواحدة ترد في صور شتى تجعلها جديدة وقائمة بذاتها في كل مرة:
(( هو الذى خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وهو بكل شىء عليم ) ) [3] 0
(1) سورة الإنسان 11 - 22
(2) سورة المائدة:15، 16 0
(3) سورة البقرة: 29 0