بينما التدافع الذى قرره الله وجعله من سننه هو تدافع الخير والشر، الذى ينتهى بغلبة الخير والقضاء على الشر. والله يمن على عباده بأنه جعل من سننه أن يوجد في الأرض أهل حق وأهل إيمان وأهل صلاح يدفع الله بهم أهل الباطل، فيزهق الباطل وينتصر الحق، وتخلو الأرض من الفساد أو في القليل ينحسر الفساد فلا يصبح هو المسيطر. وتلك كانت مهمة الأمة التى أخرجها الله لتكون خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله، والأمة الوسط التى تكون شاهدة وقائدة ورائدة لكل البشرية .. وإن غياب هذه الأمة عن الساحة لهو الكارثة الكبرى التى أصابت البشرية بما أصابها من فشو الفساد في الأرض، وفشو الظلم والاستبداد وصنوف الانحراف، ويكفى منه السيطرة العالمية لليهود، والعولمة التى تريد أن تفرض الظلم الاقتصادى والانحلال الخلقى في الأرض00
كلا! ما أبعد سنة الله التى تهدف إلى حفظ الأرض من الفساد، عن أعراف البشر الضالة في عصر عبادة الشيطان، التى تجعل الفساد هو الغالب في الأرض!
ولعل خير ما نختم به حديثنا عن الإعجاز التربوى في كتاب الله الكريم، هو أسماء الله الحسنى0
إن تكرار ورود الأسماء والصفات في القرآن الكريم هو ظاهرة تلفت النظر 00 ولقد تحدثنا عن هذه الظاهرة من قبل في الحديث عن الإعجاز الدعوى بوصفها وسيلة مثلى لتعريف الناس بربهم، وترسيخ الإيمان في نفوس المؤمنين، وأشرنا إلى أنها كثيرا ما ترد في ختام الآيات القرآنية بما يناسب المعنى الذى تشمله الآية 0
والآن نتكلم عن الظاهرة ذاتها كفى مجال الإعجاز التربوى. وإن أثرها في المجال التربوى لا يقل بحال عن أثرها في المجال العقدى. ولا عجب، فالعقيدة هى الركيزة الأولى والكبرى في منهج التربية الإسلامى. فغذا رسخت العقيدة - في صورتها الصحيحة - فقد أصبحت النفس مهيأة للتلقى من عند الله، والالتزام بما جاء من عند الله، والتخلق بأخلاق الله. وهذه هى التربية الحقة، التى تنشئ (( الإنسان الصالح ) )0
ومن هنا كانت الحكمة في التركيز على الأسماء والصفات، وترديدها في كل مناسبة، سواء كانت المناسبة قصة تروى من قصص الأنبياء مع أقوامهم، أو توجيها روحيًا، أو توجيهًا أخلاقيًا، أو توجيهًا عقليًا، أو توجيهًا اجتماعيًا أو سياسيًا أو حربيًا أو اقتصاديًا .. إلى آخر هذه التوجيهات التى يزخر بها القرآن 0
خذ مثلًا من سورة الشعراء، حيث ترد قصص مجموعة من الأنبياء مع أقوامهم. ففى نهاية كل قصة يرد قوله تعالى: (( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين(103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم )) [1] 0
وأحيانًا يكون ورود الأسماء والصفات في افتتاح القصة لا في عقبها كما جاء في سورة الحجر: (( نبئ عبادى أنى أنا الغفور الرحيم(49) وأن عذابى هو العذاب الأليم (50) ونبئهم عن ضيف إبراهيم 00 )) [2]
وأحيانًا يكون في أثناء القصة كما جاء في سورة القصص في أثناء قصة موسى عليه السلام: (( قال رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له إنه هو الغفور الرحيم ) ) [3] 0 وكما جاء في سورة النمل: (( إن هذا القرآن يقص على بنى إسرائيل أكثر الذى هم فيه يختلفون(76) وإنه لهدى للمؤمنين (77) إن ربك يقضى بينهم بحكمه وهو العزيز العليم )) [4] 0
وخذ هذا التوجيه: (( لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شىء قدير ) ) [5] 0
(1) سورة الشعراء: 103، 104
(2) سورة الحجر: 49 - 51
(3) سورة القصص: 16
(4) سورة النمل: 76 - 78
(5) سورة البقرة: 284